في حوار مع المستشار السياسي لرئيس الوزراء:
د. رزقة: الحكومة ستبقى رقم صعب في المعادلة الإقليمية والدولية ولا يمكن تجازوها
* الغرب لن يحقق ما يصبو إليه في المنطقة بدون الحديث مع الحكومة
* تركيا حاولت أن تجعل رؤيتنا حاضرة بالمؤسسات الدولية
أكد الدكتور يوسف رزقه المستشار السياسي لرئيس الوزراء أن العالم أدرك أنه بدون الحديث إلى هنية وحماس ومشعل لا يمكن أن يحقق ما يسميه الغرب بالتسوية والمفاوضات وأي نجاحات على أرض الواقع، مشدداً على أن حركة حماس والحكومة تمثل رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية لا يمكن تجازوها.
وأشار د. رزقة في مقابلة تنشرها صحيفة "الرأي" الحكومية، إلى أن المؤسسات الدولية لم تسجل على الحكومة في غزة ظاهرة فساد واحدة على مستوى المال والدقة ولم تسجل عليها استدانة مالية من الدول المختلفة بل قامت بتسديد الديون التي تراكمت على الحكومات الفلسطينية السابقة خاصة التاسعة.
وشدد رزقة على أن الحكومة نجحت في القضاء على التنسيق الأمني والعملاء، وهذا جزء من عملية المقاومة، ونجحت أيضاً في وقف مسلسل التنازلات المجانية.
وأضاف أن علاقة حماس مع مصر تضررت قليلاً أولاً بسبب الحرب على غزة وإغلاق معبر رفح وبسبب تعثر المصالحة والشروع في بناء الجدار الفولاذي.
وأشار إلى أن تركيا تمثل الدولة الإسلامية الأكثر قرباً من مصالح الشعب الفلسطيني وأماله الوطنية، منوها إلى أن تركيا حاولت أن تجعل رؤية حماس حاضرة في المؤسسات الدولية ولدى صناع القرار في الغرب ، لافتاً إلى أن حرب غزة الأخيرة أحدثت تحولات كبيرة وواسعة في الموقف الأوروبي تجاه غزة وحركة حماس، وفيما يلي نص الحوار:
المصالحة الفلسطينية
س – إلى أين وصل ملف المصالحة الفلسطينية ومتى تتوقع إنجاز هذا الملف؟
ملف المصالحة الفلسطينية برعاية مصر ما زال عالقاً لكن الأيام المتبقية للقمة العربية وهى قليلة ربما تدفع باتجاه نشاط وحراك جديد من أجل إتمام هذه المصالحة وربما تستقطب الأيام القليلة تدخلات عربية تقودها السعودية أو ليبيا باتجاه الواسطة ما بين مصر وحماس من اجل إيجاد مخرج لملاحظات حماس على الورقة ومن تم توقيعها وذهاب الفلسطينيين إلى القمة ولديهم مصالحة تمهد لهم الطريق المباشر من القمة العربية للاهتمام بشكل أكبر بقضاياهم الوطنية وعلى رأسها تهويد القدس وضم المواقع الإسلامية إلى قائمة التراث اليهودي وتمدد الاستيطان في القدس على وجه الخصوص وفي الضفة الغربية وأغوار الأردن ، لا سيما أن هناك مخططات جاهزة لهدم حي البستان بالقدس.
أتوقع حراك عربي للخروج من عنق الزجاجة وأتوقع أن تقود هذا الحراك ليبيا والسعودية، هناك مؤشرات بهذا الاتجاه ولكن لا تتوفر لدي معلومات واضحة ولكن هذا التوقع مستمد من زيارة خالد مشعل للسعودية وزيارة وفد من حماس لليبيا والالتقاء مع الرئيس الليبي القائد معمر القذافي.
علاقات الحكومة
س – شهدت العلاقة مع مصر توتراً كبيراً،كيف تصف العلاقة الآن ؟
علاقة حماس مع مصر فاترة قليلاً أولاً بسبب الحرب على غزة وإغلاق معبر رفح وبسبب تعثر المصالحة والشروع في بناء الجدار الفولاذي والرفض الفلسطيني المتواصل لهذا الجدار، لكن هذا الضرر لم يبلغ حد القطيعة فما زالت العلاقات بين حماس والحكومة في غزة من جهة وقادة المخابرات المصرية الذين يحملون ملف غزة من جهة أخرى متواصلة وتحاول أن تستعيد الدفء الذي كان قبل ذلك لا سيما وأن حماس والحكومة بغزة قدمت تقريراً واضحاً عن مقتل الجندي المصري وقدمت موقفاً مسئولاً على المستوى الإعلامي فلم تدخل في حرب المهاترات التي قامت بها الصحافة المصرية ضد حماس، مصر وحماس تدركان ان المصالح بينهما كبيرة وأن نقاط الاختلاف قليلة جداً ويمكن تجاوزها.
س- وكيف تصف علاقتكم بتركيا ؟
الحكومة الفلسطينية وحماس وبقية فصائل الشعب الفلسطيني ومؤسسات المجتمع المدني ترحب بنسب متفاوتة بالدور التركي في المنطقة لا سيما الدور التركي الذي برز جلياً موجباً في حرب غزة الأخيرة.
وينظر الشعب في غزة والشعوب العربية إلى أردوغان بوصفه بطلاً يملك الشجاعة لمواجهة السياسة الإسرائيلية وأمريكا والاتحاد الأوروبي، ثم نذكر أنه بعد ذلك قادت تركيا على مستوى المجتمع المدني قوافل إغاثة وتضامن إلى غزة.
تركيا تمثل الدولة الإسلامية الأكثر قرباً من مصالح الشعب الفلسطيني وأماله الوطنية ، كما أن لتركيا دور في المسألة السياسية بشكلها العام ولأن الحكومة التركية تعرف مزاج الحركات الإسلامية وخاصة مزاج حماس فقد تطوعت أن تنقل رؤية حماس في حل الصراع إلى المجتمع الغربي ومؤسسات الأمم المتحدة ، وحاولت أن تجعل رؤية حماس حاضرة في المؤسسات الدولية ولدى صناع القرار في الغرب ونحن نطمع أن يكون هناك دور تركي أكبر يستقطب معه تأييد عربي من جامعة الدول العربية لإحداث اختراق واضح وملموس في علاقة الدول الأوروبية مع حماس والتيارات الإسلامية بالمنطقة.
كما أن لدى تركيا استعداد لاستضافة لقاء بين مشعل وعباس للدفع باتجاه المصالحة وتوحيد الموقف الفلسطيني من الإغلاق والحصار والاستيطان وتهويد المقدسات.
س – أوروبا وقفت سلبياً ضدكم ، كيف ترى دورها اليوم؟
حرب غزة الأخيرة أحدثت تحولات كبيرة وواسعة في الموقف الأوروبي تجاه غزة وحركة حماس وغيرت المزاج الشعبي في مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي باتجاه الحقوق الفلسطينية ، وأصبحت الرواية الفلسطينية عن الاحتلال وجرائمه الأقرب والأكثر مصداقية وقد انعكس ذلك في خطوات عملية تمثلت في زيارة وفود برلمانية وأكاديمية وقادة وأحزاب أوروبية وقادة مؤسسات حقوق إنسان إلى غزة والالتقاء برئيس الوزراء إسماعيل هنية وحكومته وأعضاء من التشريعي إضافة إلى المشاركة في قوافل الإغاثة التي قادها النائب البريطاني جورج غالوي وغيره ، وهنا يجدر التنبيه لأهمية الزيارة الخاصة التي قام بها السفير السويدي والسفير النرويجي لقطاع غزة إضافة إلى زيارة كارتر الذي يتابع دوره في تحقيق الاستقرار والهدوء ونقل وجهة نظر حماس إلى أوباما.
تجربة الحكم
س- تقييمك لعمل الحكومة ووزاراتها خلال السنوات الأربع الماضية؟
بعد 4 سنوات من تجربة حماس في الحكم استطيع أن أقول على المستوى السياسي أن التجربة كانت ناجحة ومفيدة ليس لحماس فحسب بل للشعب الفلسطيني الذي عانى كثيراً من تفرد فتح بالقرار وعانى أكثر من الفساد وضعف الرؤية السياسية والفلتان الأمني مع الاحتلال، وأن تدخل الحركة الإسلامية إطار المشاركة السياسية وأن تنتقل إلى الأمام من المشاركة إلى القيادة لتصبح الحركة الإسلامية واقعاً مقبولاً ومؤثراً وحاسماً في كل القضايا الفلسطينية خاصة ملف المفاوضات، وهذا أمر يدل على نجاحات تراكمية على المستوى السياسي ولأن هذه التجربة قدمت نموذجاً يتقدم إلى الأمام جوبهت بحملة من المعوقات والتحديات ومنها الحصار الظالم وشروط الرباعية المجحفة وضعف الإرادة العربية في تفعيل دور حركة حماس في العقد الأول من الحكم.
لو لم تكن هذه التجربة على المستوى السياسي ناجحة وذات معنى استراتيجي لما وقفت أمريكيا وإسرائيل ودول أوروبية ضد هذه التجربة في محاولة لوأدها قبل أن تصبح نموذجاً سياسياً في المنطقة.
وهنا لا أود أن أتحدث كثيراً في المستوى الإداري من تجربة الحكم باعتبار أن السنوات الأربع الماضية التي حكمت فيها حماس وأدارت فيها الوزارات والمؤسسات الحكومية تعد من المراحل الاستثنائية بسبب كثرة التحديات والمعوقات وعلى رأسها الحصار والانقسام ولكن بالإجمال اعتقد أن الوزارات لها الكثير إيجابياً ، فقد قدم الوزراء ووزاراتهم جهداً طيباً في ظل ظروف صعبة واستثنائية، وإذا قمنا بعملية جرد للنقاط الإيجابية والنقاط السلبية فسنجد ما هو إيجابي أكبر بكثير من السلبي الذي يتحدث فيه المواطن.
ولأن تجربة حماس في الحكم تجربة بشرت بالنموذج الإسلامي بالتغيير والإصلاح من أول يوم خلقت طموحاً لدى الشارع الفلسطيني برؤية أفضل لهذا النموذج، فكانت التوقعات عالية من قبل المواطن ومعطيات النجاح باتجاه النموذج كانت صعبة وقليلة ومع ذلك فإن تقييم التجربة يضعها في خانة النجاح وليس الفشل.
وإذا أتيحت فرصة للوزراء والوزارات كما تلك الفرصة التي كانت في عام 2005 لتغير وجه البلد ولكن هذا هو الواقع.
حماس والحكومة تمثل رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية والدولية لا يمكن تجازوها، وقدمت الحكومة نجاحاً في احترام الديمقراطية الفلسطينية والدفاع عنها وتطبيقها على أرض الواقع بآليات علمية تتجاوز فيها الانحياز الحزبي والأطر الضيقة ،ويكفي أن نقول أن الحكومة في غزة لم تسجل عليها المؤسسات الدولية ظاهرة فساد واحدة على مستوى المال والدقة ولم تسجل عليها استدانة مالية من الدول المختلفة بل قامت بتسديد الديون التي تراكمت على الحكومات الفلسطينية السابقة خاصة التاسعة.
نجاح سياسي
س-خيار المزاوجة بين الحكم والمقاومة،هل نجح؟
إن معادلة يد تبني ويد تقاوم في ظل واقع قطاع غزة المحاصر إقليمياً ودولياً هي معادلة صعبة ومعقدة والذي يريد أن يجمع بينهما مثله في ذلك كالذي يريد أن يمشى في حقل من الألغام يحتاج إلى الذكاء والتسلح بالأدوات اللازمة للوصول إلى النجاح، وأعتقد أن الحكومة وحركة حماس قد نجحت نجاحاً نسبياً في تطبيق هذه المعادلة وحينما نقول نجاح نسبي فإنها نجحت في نقاط وفشلت في أخرى، فعلى سبيل المثال نجحت هذه المعادلة في القضاء على التنسيق الأمني وحرب العملاء، وهذا جزء من عملية المقاومة، ونجحت أيضاً في وقف مسلسل التنازلات المجانية وهذا جزء أخر من برنامج المقاومة ونجحت في استعداد قانون حماية المقاومة من التشريعي وهذا أمر غاية الأهمية وقرار ملزم للحكومات القادمة، ونجحنا في إدارة معركة الفرقان الأخيرة والإشراف على مجريات ومعالجة البعد المدني أثناء الحرب والأضرار التي حصلت بعد الحرب نجاحاً يتناسب مع ما يتوفر لديها من موارد مالية.
وما تشهده الساحة الفلسطينية خاصة غزة من تهدئة بتوافق وطني وليس بإملاء حكومي يعد نجاح لمعادلة الجمع بين الحكم والمقاومة.
لا نستطيع أن ننظر إلى هذه المعادلة برؤية الأسود والأبيض هناك نجاح ملحوظ في نقاط ممكنة لحكومة وطنية إسلامية مسئولة وهناك نقاط إخفاق السبب فيها البيئة والظروف المحيطة والتعقيدات ذات العلاقة بالمقاومة والإسناد العربي لها وبالتالي من الظلم أن يتحدث الناس عن فشل أو تراجع المقاومة في غزة دون النظر في تعقيدات المسألة والظرف المحيط فيحكمون على الأفعال ولا يحكمون للنيات والاستراتيجيات، فتعزيز الإرادة مهم ويسبق القدرة على الفعل ويجدر أن نوازن بين حالة المقاومة بغزة حيث تحتفظ الفصائل بأسلحتها وحقها في الدفاع ، وحالة المقاومة في الضفة الغربية حيث تقوم الحكومة في الضفة برئاسة دايتون بقمع المقاومة ووضع قادتها في السجون ومصادرة أسلحتها، وترعى التنسيق الأمني رعاية غير مسبوقة ونحن نعلم والعدو يعلم أن مركزية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتركز في الضفة الغربية والقدس.
س- تقييمك للخطاب السياسي للحكومة؟
الخطاب السياسي للحكومة يتقدم ويسعى للدقة والموضوعية والعلمية ويوشك هذا الخطاب أن يتخلص بشكل نسبي من التناقضات في التصريحات وهذه التناقضات لها مبرراتها في الميدان، ويتميز هذا الخطاب بعقل مرن وافق متسع لمتابعة الخطاب الإعلامي في الساحات الأوروبية والدولية ويعطي هذا الساحات أهمية.
خطاب الحكومة يكسب اليوم مؤيدين في أوروبا وتخسر (إسرائيل)، وهناك قيادات في أوروبا استشعرت حجم المظلومية للشعب الفلسطيني في حرب غزة وتأثرت بشكل كبير بالصورة التي تنقلها الكاميرا وأبرزت مظلومية الشعب الفلسطيني وبلورت المعاناة التاريخية في هذه الحرب.
الحكومة الفلسطينية تشعر بأهمية الخطاب الإعلامي الموضوعي والدقيق الموجه للدول الأوروبية والمحيط الدولي لذلك هي تنفق على هذا الخطاب أموالاً مهمة ومعتبرة، في كل يوم هناك إطلالة لرئيس الوزراء والوزراء والإعلاميين الحكوميين على العالم في أحاديث مباشرة وتقارير دقيقة.
مستقبل القضية
س- كيف ترى مستقبل القضية الفلسطينية في ظل الظروف الراهنة؟
المستقبل حول القضية الفلسطينية كما الحديث عن المستقبل للمشروع الإسلامي في المنطقة فإذا كان المشروع الإسلامي يحمل في ثناياه وعداً بالانتصار والسيادة فإن المستقبل للقضية الفلسطينية يحمل في ثناياها وعداً بتحقيق الآمال الفلسطينية وتحقيق الرؤية الفلسطينية بإزالة الاحتلال على الأقل عن الأرض المحتلة عام 67 وإجبار (إسرائيل) والمجتمع الدولي على تقبل الرؤية الفلسطينية والعربية وهذا الحديث عن المستقبل المتفائل ليس حديث التمنيات والآمال فحسب بل هو حديث الواقع على الأرض.
(إسرائيل) تتراجع على مستوى قوة الردع وهذا ما ظهر في حرب لبنان وغزة، ولم تعد (إسرائيل) الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط وهناك مزاحمة قوية لتركيا وإيران وسوريا إضافة إلى الفصائل الفلسطينية والمقاومة.
لكن للتعجيل في تحقيق هذا المستقبل وتوفير أفضل الظروف للنجاح في مدة زمنية أقصر نحن في حاجة إلى وحدة فلسطينية فصائلية وإلى ديمقراطية فلسطينية حقيقية وتداول سلمي للسلطة وإجراء متبادل والتخلص من الأوهام التي صاحبت مشروع أوسلو.