يعاني جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة من نقص في جودة سيارات الإطفاء والإنقاذ التي يرجع تاريخ صناعة معظمها لأواخر الثمانينات، هذا بالإضافة للنقص في المعدات والآليات التي تستعين فيها طواقم الدفاع المدني في تنفيذ مهماتها على مدار الساعة، كذلك هناك صعوبات في صيانة الأعطال التي تتعرض لها هذه السيارات والمعدات.
نسلط الضوء في هذا التقرير على العجز الذي يعاني منه أحد مكونات العمل الإنساني في غزة، في ظل استمرار الحصار المفروض على القطاع منذ خمس سنوات، ونطرح الأسئلة حول كيف استطاع الدفاع المدني أن يواصل عمله في ظل هذه الصعوبات؟ وما القدرات والإمكانيات التي يعمل بها؟ وأين يتم إصلاح هذه السيارات والمعدات؟ وهل يتوفر لها قطع الغيار اللازمة؟ وما السبيل للتغلب على هذه المشكلات في ظل عدم توفر هذه القطع؟ وكيف يعمل طاقم الصيانة وما قدراتهم؟
يشار إلى أن الدفاع المدني على مستوى محافظات قطاع غزة يعمل فيه تسع عشرة سيارة إطفاء، وأربعة سيارات إنقاذ، وثمانية سيارات إسعاف، إضافة إلى أربعة سيارات (صهريج) لتزويد المياه، وسيارة سلم هيدروليكي، موزعة على ستة عشر مركزا في المحافظات الخمس، بواقع ثلاثة لكل محافظة سوى غزة فيتواجد فيها أربعة مراكز.
سيارات متهالكة
يقول ملازم محمد الخولي مدير الورشة الفنية التابعة للدفاع المدني إن معظم السيارات العاملة في المحافظات تحتاج إلى صيانة كاملة، مشيرا إلى أن بعضها لا تصلح أن تستخدم في المهمات البسيطة، فكيف وإن كانت هذه المهمات صعبة وكبيرة أو متواصلة لعدة أيام، كما حدث في فترة الحرب على قطاع غزة أواخر 2008م !.
ويضيف الخولي الذي تسلم إدارة الورشة حديثا، ويعمل على رأس فريق متخصص مكون من عشرة أشخاص: أن ورشة الصيانة يعمل فيها كادر كفؤ ومتخصص موزعين على كل من قسم ميكانيكية السيارات والآلات وقسم والكهرباء، والسمكرة، والدهان.
وأعرب عن استيائه لوضع سيارات الدفاع المدني ومعداته وآلياته المتهالكة، مع تواصل صمت المؤسسات الإنسانية والحقوقية التي تعنى بحياة الإنسان، محذرا أنه إذا استمرت حالها فسينذر بكارثة في أي لحظة الأمر الذي يهدد حياة المواطنين في قطاع غزة وممتلكاتهم ومقدراتهم.
وأضاف إلى أن الورشة لا تخلو يوما من سيارة أو اثنتين للصيانة، الأمر الذي يترك فراغا في المنطقة التي تعمل فيها هذه السيارات فيما لو حدث حريق أو حدث معين أثناء تعطلها، خاصة في المناطق التي تبتعد فيها مراكز الدفاع المدني عن بعضها البعض.
ولفت الخولي إلى أن هناك مشكلات أخرى تواجهها الورشة الفنية أثناء إصلاحها لسيارات الإطفاء والإنقاذ، أهمها عدم وجود قطع غيار لها، مضيفا أن هذه المشكلة من أكبر العقبات التي تواجه العاملين في الورشة، هذا بالإضافة إلى ردائة جودة القطع المتوفرة.
هذه المعاناة لم تقتصر على عمل الورشة الفنية فقط، لكنها أيضا تشمل الآليات والمعدات التي تستخدمها طواقم الدفاع المدني في مهماتها المختلفة، والتيتكن صعبة ومعقدة أحيانا، وتبرز فيها عجز هذه الآليات أمام الهمم العالية والإرادة القوية التي تتحلى بها الطواقم المختلفة.
صيانة معدات الإطفاء
وفي غرفة لا تتجاوز الثلاثة أمتار، يعمل كامل الشوبكي وطه الحايك في قسم صيانة معدات الإطفاء والإنقاذ، يحاولان إصلاح ما تستطيع مهاراتهما إدراكه وإصلاحه في الآلات والمعدات التي تتعطل خلال مهمات الطواقم.
يقول الشوبكي إن هذا القسم تم تأسيسه في أواخر 2010م عندما اشتد الحصار على القطاع، فكانت الفكرة أن يتم إصلاح ما يتعطل بقدر المستطاع مثل الخراطيم التي تعطب وأجهزة التنفس والكمامات وتعبئة وإصلاح إسطوانات الأكسجين ومقصات الحديد.
وأضاف الشوبكي أن الدفاع المدني وجد بعد عملية الحسم العسكري لقطاع غزة عدد كبير من خراطيم المياه التي كانت معطوبة داخل المخازن، إضافة إلى عدد من إسطوانات الأكسجين والهواء، والتي استطعنا إصلاح جزء كبير منها، في ظل الحاجة الكبيرة التي تعاني منها المديرية.
أما الحايك والذي كان يعمل سابقا في مهنة السباكة، أضاف أنه وبمساعدة زميله الشوبكي استطاعا أن يصلحها أكثر من 200 خرطوم مياه من أصل 400 خرطوم و25 جهاز أكسجين، إضافة إلى إصلاح عدد من الكمامات وعدد من مقصات الحديد وعشرات من محابس خراطيم المياه.
من جانبه، أكد العميد يوسف الزهار مدير عام الدفاع المدني أن الجهاز يعاني أصلاً من أزمة في الإمكانيات والمعدات الموجودة، وأنها زادت واشتدت بعد الحصار الظالم المفروض على أبناء شعبنا في القطاع، خاصة بعد الحرب الشرسة التي نفذها الاحتلال الإسرائيلي على كافة مناحي الحياة الفلسطينية.
وأضاف الزهار أن الأزمات التي عصفت وما زالت تعصف بجهاز الدفاع المدني، منها ما هو متعلق بالظواهر الطبيعية كالأمطار الغزيرة والحرائق وبعضها من فِعل الإنسان كما يحدث في الإعتداءات التي ينفذها الاحتلال، الأمر الذي يكلف الجهاز الكثير من الناحية المادية وأعاق عمله بشكل كبير وحمله ضغطا كبيرا في العمل.
وأكد أن من أهم المعوقات وجود نواقص في المعدات والآلات، ومنها قدم سيارات الإطفاء والإنقاذ والتي منها ما هو مصنوع في عام 1988 و 1989، الأمر الذي يجعلها غير مواكبة للعمل في الظروف المعاصرة، مشددا على أنه ورغم هذا النقص، فإن طواقم الدفاع المدني تجتهد للوصول إلى مكان الحدث بأسرع وقت لتقليل الخسائر، مؤكدا على أهمية الوصول لمكان الحدث بالسرعة والمحافظة أيضا على حياة المواطنين والطواقم في الوقت ذاته.
خطوة نوعية
ولفت العميد الزهار إلى أنه وبسبب الحاجة، نجح قسم الصيانة بالدفاع المدني في تحويل الأداء الميكانيكي لمركبتين، وتسخيرها للعمل في مهام الإنقاذ والإطفاء، في خطوة نوعية في ظل الاحتياجات الكبيرة ونقص بالمركبات المتخصصة والمعدات اللازمة، إضافة إلى نفاذ كمية كبيرة من المواد التي تستخدم في عمليات الإطفاء.
وأوضح أن قسم الصيانة وبالتعاون مع مهندسي الدفاع المدني وأصحاب الخبرة، تمكنوا من تحويل شاحنة من نوع "كماز" للعمل في عمليات الإنقاذ والمساندة، إضافة إلى تحويل مركبة إطفاء قديمة "موديل" سنة 1988م للعمل في مهام الإنقاذ.
وأكد أن هذه الخطوة النوعية من قبل جهاز الدفاع المدني لها دلالات كبيرة، حيث تقول للعالم بأننا سنعمل لخدمة أبناء شعبنا بأقل الإمكانيات، ولن ندخر ذرة جهد في سبيل راحتهم، مستدركاً " لكن ذلك من جهة أخرى يلوح إلى وجود خطر على مواطني غزة، ما يدعو المنظمات الدولية الإنسانية والحقوقية للتحرك من أجل إسعاف الدفاع المدني".
وعن أداء طواقم الدفاع المدني في ظل هذا النقص، قال الزهار: الحمد لله لم يسجل أي تقصير من أبناء الجهاز ولكن قد نواجه أزمات، فمثلاً في بعض الحالات وصلت سيارة الإطفاء إلى المكان وحينما حاول طاقم السيارة تفعيل جهاز الضغط أو مضخات الضغط من الماء كان هنالك عطل لأنها تحتاج إلى صيانة.
ووجه العميد الزهار رسالة للعاملين في الدفاع المدني، قائلاً لهم:"أنتم على ثغر من ثغور هذا الوطن، هذه أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم ومقدراتهم أمانة في أعناقكم رغم قلة ما بين أيدينا من عتاد ومعدات وآليات؛ إلا أنكم كنتم فعلا أبطال الملاحم الإنسانية".
كما دعاهم للثبات على ما هم عليه، وأن يبقوا رموزاً للعطاء والتضحية الإنسانية من أجل وطننا وشعبنا،عسى الله أن يغير هذا الأمر بخير منه.