كثيرة هي البطولات الإنسانية ومواقف التضحية التي تحسب في ميزان طواقم الدفاع المدني خلال الأيام الثمانية من معركة حجارة السجيل، وقد شهد بذلك الصحيح قبل الجريح، والمرأة قبل الرجل، والطفل قبل الشيخ.
إنها الأمانة وعزائم الرجال التي تحمل هذا الإطفائي أن يكتوي بلهب النيران، وتدفع ذاك المنقذ أن يبذل النفيس بغية أن ينقذ امرأة أو طفل أو يمنع الضرر في الممتلكات، وذلك المسعف الذي يرافقهما في كل حدث ليضمد جراح المصابين ويخفف من آلامهم، حقا هذا الثلاثي المتكامل جسد أروع الصور في أيام الحرب التي عشناها جميعا الأسبوع الماضي.
لقد كانت كاميرات الصحفيين التي سجلت هذه البطولات شاهدا سيذكره التاريخ وسيروي هذا الإقدام والدور المتميز الذي تحلى به رجال الدفاع المدني، فهذا الملازم موسى أبو حسنين أحد ضباط الإطفاء في مركز دفاع مدني الرمال أبدى براعة وشجاعة ظهرت عبر الفضائيات منذ اليوم الأول الذي تم فيه اغتيال القائد أحمد الجعبري، ساهراً لم تغفل له عين كما باقي زملائه العاملين في كافة مراكز الدفاع المدني الستة عشر دون أن تغشاهم سحابة كلل أو وجل.
في اليوم الثالث لهذه الحرب البائدة تعرض ضابط الإطفاء موسى لردود وخدوش في أنحاء مختلفة من جسده، ونقل للمستشفى لتلقي العلاج، وما زال يرقد في منزله حتى يتعافى.
يقول وهو على سرير المرض "في اليوم الثالث للحرب لم ترتاح لنا جوانب أو تغفل لنا أعين، فبعد أن عدنا من مهمة عند أذان الفجر أخذنا نحاول استعادة قوانا، ثم تمكنا من صلاة الفجر في جماعة، وما أن فرغنا من الصلاة واصلنا تحضير مستلزمات العمل وتفقدها".
وبينما الضابط أبو حسنين في مكان عمله إذ بإشارة تأمره بالتوجه لمقر وزارة الداخلية والأمن الوطني- الشق المدني في تل الإسلام، وعلى الفور توجهنا مسرعين لندعم طاقم دفاع مدني تل الإسلام.
ويضيف "ما أن حضرنا فإذا بنيران ودخان كثيف ومباني الأمس أصبحت ركاما وتحول بعضها لحجارة صغيرة تناثرت على جوانب الطرق، وحفر عميقة بفعل قوة القصف الصهيوني الذي طال المباني، كان مشهدا فوضويا، دخان، ونيران، وغبار، وأتربة، وأوراق متطايرة، وحفر عميقة، كما طال هذا الدمار شيئا من المباني والمحال المجاورة.."
أخذ الضابط في الدفاع المدني يتعاون مع زملائه في تمديدات خراطيم المياه في محاولة للوصول إلى النيران التي أنارت صباح اليوم الجديد.
كلهم كان يعمل في المكان الذي أصبح خاويا، وفي أماكن أخرى كانت تساعدهم إضاءة مصابيح الإنقاذ التي نحملها، وفي أثناء معركتهم الإنسانية كانت تصخبهم أصوات الطائرات الحربية الصهيونية وأزيز الاستطلاع.
كان ألو حسنين يتتقل مرة هنا وأخرى هناك، في محاولة للسيطرة على ألسنة النيران، وبينما هو كذلك فإذا بي يتعثر في حفرة يدنوها ركام وأسلاك شائكة، ثم سقط في حفرة عميقة بجانبها أحثها صاروخ من طائرة حربية.
لم يستطع أن يقاوم وشعر حينها بألم شديد في جسده، وهنا أيقن مدى أهمية الدفاع المدني لا سيما في مثل هذه الظروف ومدى حاجة المكلومين والجرحى لوجود طواقمه، ونادى على زملائه حتى يسعفوه وثم نقلوه إلى مستشفى الشفاء لتلقي العلاج.."
ويتابع "هناك وجدت نفسي على سرير المرض، كنت في الصباح أشارك في إنقاذ المصابين وأبحث عن أشلاء الشهداء، وها أنا في المساء احتاج لمن يساعدني ويداوي جراحي، حيث تعرضت لردود وتحبس في إحدى ساقي بينما تعرضت ساقي الأخرى لتمزق في الأربطة، وها أنا أنتظر الشفاء لأعود إلى حيث مكاني الطبيعي، هناك في أحد قلاع الدفاع المدني".