أدرك منذ اليوم الأول للحرب الأخيرة على قطاع غزة أن واجبه لم يعد مقتصرا على العمل الإداري، وما أن أعلنت قيادة الدفاع المدني عن رفع حالة الطوارئ في صفوف طواقمها للتعامل مع العدوان الصهيوني الجديد حتى قرر أن يكون عمله بهذه المرحلة في الميدان، وسط الركام وبين ألسنة النيران وكثافة الدخان، فانتزع بزته البرتقالية التي يحتفظ بها في دولاب ملابسه، وأعد جهازه اللاسلكي واستحضر نية الشهادة ثم خرج قاصدا واجبه الإنساني، يساعد رجال الإطفاء والإنقاذ والإسعاف.
أيقن النقيب محمد محمد أبو العمرين منذ اللحظة الأولى الذي انضم فيها لصفوف الدفاع المدني أن ذلك يفرض عليه واجب المشاركة في مهام غير التي كُلف بها في وحدته الإدارية بالعلاقات العامة.
وقد أظهرت كاميرا الفضائيات المختلفة صورا عديدة له، وهو يزاحم ببزته البرتقالية بين ركام المنازل المدمرة ودخان النيران الكثيفة، فهنا يساعد طواقم الإطفاء في إخماد الحريق الذي اندلع في مبنى البنك الوطني الإسلامي، وهناك يساعد زملاءه في إنقاذ الأحياء من تحت الأنقاض، وفي مكان آخر يبحث عن الناجين داخل المنازل المجاورة لمنزل عائلة الدلو الذي استهدفه الاحتلال الصهيوني بطائراته في حي النصر بغزة، وخلف عدد من الشهداء والمصابين، وما تبع ذلك من عمل شاق ومضنٍ في البحث عن أجلاء الشهداء تحت الأنقاض.
يقول أبو العمرين الذي أمضى تسع سنوات خلف قضبان الاحتلال: "إن ظلمة السجون عملتنا الكثير، فعلمتنا الشجاعة والتضحية والإيثار وبذل العطاء، فلم تكن مشاركتي لإخواني في العمل الإنساني غريبا ولا شاذا؛ بل هي المسؤولية والتضحية وحب العمل".
ويعتبر أبو العمرين أن الانتماء والإخلاص في العمل هو الذي يميز هذا الأخ عن ذاك، وأن من شاهد المجازر التي يقترفها الاحتلال الصهيوني بحق أبنائنا الأطفال وأخواتنا النساء وآبائنا الشيوخ يفرض عليه أن يشارك في خدمة أبناء شعبه ولو بالدعاء.
ويتحدث عن اللحظات الأول من استهداف البنك الوطني ووصول طاقم الدفاع المدني للمكان، فيقول:"ما أن وصلنا البنك الوطني وإذ بنيران هائلة أخذت تلتهم ما بداخله من أثاث وأجهزة ومستندات، فتوليت أنا مهمة الحفاظ على ما نجا من ممتلكات ومستندات، خاصة أن بعض الصحفيين والمواطنين بدؤوا يتوافدون للمكان لمشاهدة آثار القصف".
وكان للنقيب أبو العمرين أيضا بصمته في إخلاء الناجين من قصف منزل عائلة الدلو، فيقول: بعد لحظات من استهداف منزل الدلو انتشرت إشاعة بوجود تهديد صهيوني لقصف المنزل المقابل لمنزل الدلو، وحينها تملك سكان المنزل والمنازل المجاور الخوف الشديد والارتباك لاسيما أن بينهم الصغير وكبير السن، فتطلب حينها التحلي بالحكمة والشجاعة، فتوليت مهام إخلاء جميع السكان بمفردي بعد أن أمرت طاقم الإنقاذ بإخلاء المنزل ومتابعة عملهم في منزل عائلة الدلو.
وفي حي الرمال ببرج الشروق لم يعترِ أبو العمرين نصب أو تعب من استمرار العمل لساعات طوال، فهرع لمساعد زملاءه في إخماد النيران الهائلة التي اندلعت في الطوابق الأولى، فكان من أوائل الصاعدين للطوابق العلوية، حيث يتواجد عدد كبير من الصحفيين، فقاد عملية إخلائهم بحكمة، حتى نجا ونجوا جميعا، فلم يتعرض حينها أحد لأذى.
"وفي مساء اليوم الثامن، كم شعرت بنشوة الانتصار وتمالكتني بهجة الفرحة عندما شاهدت أبناء شعبنا يحتفلون بالانتصار، حينها بكيت فرحا وتعززت لدي المقولة التي كنت أخبئها في قلبي عند كل حدث: "سأبقى مضحيا من أجل أن يحيا الجميع"، فهكذا هم أبناء الدفاع المدني".. هذا ما اختتم به أبو العمرين حديثه في جنود مجهولون..