كتب/ وليد شكوكاني
كثيرون هم الغارقون في لُجج الضياع والخسران , يتلمسون طريقاً مُوحشاً تشوبه الأهواء والنزوات وتكتنفه الأخطار والزلات , غيرَ آبهين بسقطاتهم المدوية في هذه الدنيا الفانية وتلك الآخرة الباقية , ينساقون للملذات دونما تفكير إلى أن تنتهي حكايتهم خلف قضبان الحديد نادمين.
( رامي ) شابٌ في مقتبل عمره , في العشرينيات من عمره المهدور عبثاً , قدَّر لي ربي أن ألتقي به أثناءَ وجوده في سجن المباحث العامة ليخطَّ لي بقلبه قبل لسانه قصةً آثرتُ أن أرويها لتكونَ عبرةً لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.
يروي رامي حكايته وترتسم على معالم وجهه ابتسامة مصطنعة تُوحي بمرارة الألم التي أكلمته دونما ميعاد , فلا الكلمات المبعثرة تسعفه ولا النظرات المرتبِكة تنقذه.
انزوى على كرسيه وبدأ يتمتم : " لا أعلم لمَ أقوم بمثل هذه الأعمال فأنا ميسور الحال ولا ينقصني شيء أبداً "
سألته عن سبب وجوده في السجن فأجاب : " قمتُ بالسطو على أحد محال الجوالات وأنا الآن آخذ جزائي القانوني "
تابع رامي حديثه والدموع تترقرق في عينيه رغماً عنه : " عشتُ بعيداً كل البعد عن ربي ولم أفكر يوماً في التقرب إليه حتى أنني لم أحفظ من القرآن آيةً واحدة ومضيت في حياتي أعبثُ فيها غير آبهٍ بقدري "
وأكملَ بعد أن أطرقَ برأسه : " قبل أربع سنوات كنتُ أعمل في الأنفاق وتعرفتُ على أحد الأشخاص الذين كان لهم باعٌ طويل في المخدرات وبدأتُ أنساق إلى وساوسه الشيطانية ليصلَ بيَ الحال إلى تعاطي معظم أنواع المخدرات الخطرة والتي كان لها الأثر البالغ فيما أنا فيه الآن "
لم يكن رامي يعلم أن المخدرات ستكون دافعاً لسرقة والده الذي ربـاه ولم يبخل عليه بشيء ليلتهم منه مبالغ مالية تُقدر بــ " 200 " ألف دولار أنفقها على المخدرات ورفقاء السوء.
يواصل كلماته بآهاتٍ تتلوها آهات قائلاً : " لم أكن أعي ما أفعل وقد اعتدتُ على السرقة لأنني أدمنت المخدرات ولم أستطع توفير النقود بشكلٍ يومي لشرائها لذا سلكتُ هذا الطريق وها أنا الآن خلف قضبان السجن غارقٌ مع نفسي حتى أنني أصبحتُ منبوذاً بين أهلي وكل من يعرفني "
ويروي رامي قصةً حدثت معه توضح مكر المخابرات الصهيونية في محاولة اصطياد المدمنين والمتعاطين حيث حاولَ ضابط مخابرات صهيوني إسقاطه في العمالة من خلال الاتصال عليه وتقديم عروض سخية مستغلاً إدمانه لكنه رفض هذا العرض الدنيء موضحاً لضابط المخابرات أنه لا يمكن له أن يخون وطنه حتى وإن كان يتعاطى المخدرات فالخيانة لا تُغتفر.
وحينها أجهش بالبكاء نادماً على ما اقترفت يداه بحق نفسه وأهله موجهاً رسالةً لكافة الشباب الغارقين في وحل المخدرات : " أفيقوا قبل فوات الأوان فضياعكم مرهونٌ بتعلقكم بهذا الداء الخطير الذي يكون بدايته الفضول والتجربة ومداراة الأصحاب ومنتصفه انسياق بلا وعي خلف رفقاء السوء وآخره تدمير للنفس والحياة ، وتقصير في حق الله لذا كونوا قريبين منه فالابتعاد عنه خسارةٌ وندامة "