كتب / محمد الزرد
تناغمت الكلمات وتجلت المعاني برونق يضفي على النفوس لوعة واشتياق عندما تسربت إلى نفوسنا سيرة فارسٍ من خيرة فرسان الداخلية , فارسٌ لطالما انطربت من شذى صوته الآذان وتهادت من تحنان قلبه قلوب من عاصرهم في كل زمان ومكان.
ليأتي قلم "موقع الداخلية" ويغرق في بحور المعاني والكلمات باحثاً فيها على أمل أن يجد شيء يفي شهيدنا حقه ولكنه ما لبث أن تاه بين حركات وسكنات فارسنا المغوار فتارة نراه يرسم ابتسامته وما لها من وقار وبهجة وتارة يسطِّر روائع صوته وما يضفيه على النفوس من لهفة .. إنه الشهيد "شادي فايز محمد عطية".
المولد والنشأة
وُلد شهيدنا في بيت متواضع بحي الدرج وسط مدينة غزة في 25 من ديسمبر/ كانون الأول من عام 1975 بين أحضان عائلة ملتزمة وقد عاش طفولته كأي طفل من أطفال جيله إلا أنه كان يمتاز بكثرة حركته ومرحه الدائم وابتسامته التي لا تفارق مُحياه.
التحق شادي بمدرسة الإمام الشافعي الابتدائية للبنين ومن ثم مدرسة صلاح الدين الإعدادية وقد كان يحبه الجميع رغم ما كان يتميز به من تحرك باستمرار دون كللٍ أو ملل.
علاقة وطيدة
تروي عائلة الشهيد "لموقع الداخلية" عن طبيعة علاقة شهيدنا بمن حوله " كانت علاقته بوالديه على أفضل وجه فهو عطوف وبار بهما فقد كان كل همه أن ينال رضاهما وعلى الرغم من انشغاله إلا أنه كان يخصص لهما جزءًامن وقته يومياً ليجلس معهما ويمازحهما وينشد لهما بصوته العذب الحنون ".
وتضيف عائلته "كان يعامل إخوانه وأهل بيته بكل رفق وبكل حب وحنان فكان يعطي كل ذي حق حقه سواءً "زوجته , أولاده,إخوانه وأخواته"كما كانت علاقته بجيرانه وأقاربه علاقة طيبة يملؤها الاحترام يعاملهم كأنهم أفراد عائلته يحبُّ الكبير منهم ويعطف على الصغير فكل من رآه أحبه وأثنى عليه وعلى أخلاقه الحميدة وشخصيته الرائعة".
ابن المسجد صاحب المواهب المتعددة
التزم فارسنا منذ الصغر في مسجد عز الدين القسام في حي الدرج حتى أصبح فرداً من جماعة الإخوان المسلمين وكان نشيطاً مجتهداً يشارك في جميع نشاطات المسجد وكان يشارك إخوانه في العمل الجماهيري في بعض المهمات مثل تعليق اللافتات والتخطيط لما عُهد على خطه من جمال وإتقان, وكذلك كان يقوم بدور كبير إبان انطلاقة الحركة , كما شارك في المجال الرياضي فأصبح مدرباً لفريق مسجده , وقبل استشهادهأحرز لفريقه ستة أهداف في مباراة كرة القدم وكان له دور بارز في اللجنة الفنية وساعده على ذلك صوته الجميل ليصبح له فرقة نشيد في المسجد.
انضمامه إلى وزارة الداخلية
عمل شهيدنا بعد أن انقطع من دراسته الإعدادية في مهنة "البناشر" ثم "الخياطة" لمدة طويلة حتى أتقن هذه المهنة وبعد اندحار جيش الاحتلال من محرراتنا عمل حارساً مع زملاء له من أبناء مسجده مدة طويلة على تلك المحررات لينتقل بعد ذلك رسمياًلجهاز الأمن والحماية وترقى في عمله حتى أصبح مسؤولاً لأحد شفتات الحراسة على منزل الدكتور محمود الزهار.
عهد عليه الجميع حبه لعمله والتزامه فيه فكان نشيطاً شجاعاً يعرف مسئوليته ويحرص عليهاكما كان حريصاً على إخوانه فيذكرهم دوماً بأن العمل في الميدان لوجه الله تعالى وللوطن الغالي مما جعله يحوز محبة الجميع له.
كما أن شهيدنا عمل في جهاز أمن الحركة لمدة طويلة وقد سُجن في أجهزة أمن السلطة على خلفية اتهامه بالتخطيط لعملية استشهادية قبل أن يتزوج.
موعد مع الشهادة
تروي زوجته " استيقظ أبو البراء يوم السبت 27/12/2008م مبكراً في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً وكان معتاد أن يذهب إلى عمله الساعة السابعة فقلت له لماذا تريد أن تذهب مبكراً فقال :أنا اليوم حابب أن أذهب مبكراً لأنني مستعجل وأنا المسئول فيجب أن أكون قدوة للشباب وأن لا أتأخر وكأنه يعرف أن لقاء الله قريب ,ثم أيقظ أولاده ليراهم قبل أن يذهب إلى عمله ولم يفعل ذلك من قبل وخرج إلى منزل الدكتور محمود الزهار الذي كان يعمل على حراسته ".
وفي يوم استشهاده كان هناك اجتماع مع مسئوله المباشر في جهاز الأمن والحماية في مقر المنتدى حيث كان ينتظره القدر فكانت الضربة الأولى لمعركة الفرقان حينما قصفت طائرات الاحتلال جميع المقرات الأمنية ومن ضمنها المنتدى فارتقى شهيدنا إلى العلياء ولم يعثر على أي شيء من جثمانه فقد بحث عنه إخوانه لمدة ثلاثة أيام في جميع المستشفيات والمراكز ولم يجدوا سوى ورقة من بطاقة هويته محترقة تفوح منها رائحة طيبة علماً بأن هذا ما كان يتمناه شهيدنا بأن لا يبقى من جسده شيء حين استشهاده.
أعظم أب
تقول ابنته خلود وهي تمسك صورته وتقبلها" افتقدت أجمل وأحن وأعظم بابا في الدنيا لأنه حنون علي كان يوصلني يومياً للروضةويقول لي سأوصلك للجامعة يا بابا فأضحك وأقول إن شاء الله والآن أقول وأنا أفتقد ذلك القلب الحنون من سيوصلني للجامعة بابا استشهد ؟!! ".
وتنهي حديثها بكلماتها الرقيقة وبريق عينيها يتلألأ بالدموع "والله إني اشتقت أن أقول كلمة بابا".
ويقول ابنه براء "فقدت الأب الغالي والحبيب والأخ والصديق فكنت عندما أريد أن ألعب يلعب معي ولا يملّ مني وكان يعلمني أن وقت اللعب لعب ووقت الصلاة صلاة ويرافقني للمسجد ويشجعني دوماً على العلم والدراسة".