كتب/ رائد أبو جراد: كانت سيارته تقطع طريق "صلاح الدين" الرئيس الممتد من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، في أحد أيام الصيف الحارة وهو يستمع إلى شريط الأغاني وقد أخذ يعيد ذاكرته الممتلئة بالأحداث إلى الوراء كيف كان فتى ملتزماً يحرص على الصلاة في المسجد مع الجماعة .. يحرص على السنن وكل ذلك تغير منذ أن فقد والده وتعرف على مجموعة من رفقاء السوء أبعدوه عن المسجد وعن الصلاة وأصبح فتى طائشاً وأخيراً دخل معهم عالم المخدرات، فتشربت دماؤه آفتها الخطيرة فألهته عن العبادة وعن الحياة. لم تستطع توسلات أمه المسكينة وهي تحثه على الصلاة وتذكره بعقاب الله وتدعو له بالهداية ولم تستطع أن تقنعه بأن يتزوج من فتاة صالحة لعلها تكون سبباً في هدايته. أصبح كل همه المخدرات وكيف يحصل عليها، وكيف يُؤمن كمية المخدرات لنفسه ثم ما لبث أن أصبح يتاجر بهذا العقار المدمر. لم يعد يهتم بنفسه ولا بغيره ولا ببلده المحتل، همه وشعبه المغلوب على أمره ، همه الوحيد أن يمتلك المال – رغم الأوضاع الاقتصادية لأسرته بعد وفاة والده - لينفقه على إدمانه وسهراته وهفواته. تذكر حينما كان يهم بالخروج من المنزل وجد أمه على سجادتها كعادتها لصلاة العصر،وقد فتحت الراديو على إذاعة القرآن الكريم تنتظر أذان العصر . قالت له : أين أنت ذاهب يا ولدي؟ أجابها: ادعي الله أن يوفقني فأنا ذاهب في عمل مهم يا أمي ودعواتك لي، واقترب منها مقبلاً رأسها. اعتصر فؤاد الأم حزناً وهي لا تدرك عن أمر عمله شيئاً .. رفعت أكفها إلى الأعلى متضرعة تدعو لولدها .. اذهب يا ابني لعل الله يفتح لك باب رزقه ورحمته ويغفر لك ويرحمك ويلبسك ثوب الهداية. سرت قشعريرة خفيفة من جسده ، فأعاد تقبيل رأسها ولمح عينيها تغرورق بالدموع . تذكر كل تلك اللحظات وكانت تمر سريعة في شريط ذاكرته .. شعر بأن اليوم مختلف في داخل يخبره بأنه سيحدث شئ ما. هل سيتم القبض عليه اليوم؟ سيقوم بشراء كمية من "الحبوب المخدرة" .. عقار الاترامال المدمر وهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الصفقة الأخيرة، لكن هذه المرة مختلفة ففي كل مرة تتم عملية البيع والشراء في مكان مختلف بعيداً عن عيون رجال الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في الشرطة الفلسطينية. ذهب وتفقد موقفعها، مزرعة لم يتم إعادة إعمارها بعد تدمير جرافات وآليات الاحتلال الصهيوني لها خلال حرب الفرقان على غزة نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009. العلامة هي خزان مياه مهجور والمزرعة ممتدة حتى يتم ملاحظة من يمر بالمنطقة، والإشارة أن يدخل سيارته في بنيان مهجور ويترجل إلى نصف المنطقة، بحيث يظل في العراء. المواعد الساعة الثانية ظهراً .. تحت أشعة الشمس اللاهبة ، عشر دقائق بعد الثانية وإذا لم يحضر الشخص "تاجر المخدرات (الاترامال) تكون الصفقة ألغيت وتغير الموعد. 10 آلاف شيكل .. كل شئ تم ترتيبه وتجهيزه بحيث تتكلل الصفقة بدقة ونجاح كاملين. أحس بشئ من الخوف وهو يقترب بسيارته من المزرعة المدمرة .. خفف السرعة .. نظر إلى ساعة السيارة كانت تقل عن الثانية بعشر دقائق فقط .. حرك سيارته باتجاه البينان المدمر . أدخل سيارته ثم أخذ نفساً عميقاً .. دعا ربه "يا رب وفقني ..!". اهتزت أعماقه سرت قشعريرة غريبة بجسده وهو يدعو ربه أن يوفقه .. إلى ماذا ؟ هو يقوم بجريمة بحق نفسه ووطنه وشعبه وأهله وهو يدرك جيداً أن الشيطان يقوده وأنه بعيداً كل البعد عن ربه .. نسي الله فنساه الله . اهتزت مشاعره حرك أعماقه بعيداً عن التفكير بما يعمله، سوف يهديه الله لكن اليوم يجب أن يتم عمله .. يجب أن ينهي الصفقة . أطفأ محرك السيارة، فتح بابها ليخرج، لفحه هواء صيفي ساخن، أحس بحرقة الرياح وهي تلفح وجهه ذو البشرة السمراء .. ارتعش ألقى نظرة على المكان كان خالياً حتى الحيوانات قد اختفت من شدة الحر وأشعة الشمس الملتهبة. تذكر أمه عندما كان عندما كانت تخرج لنشر الغسيل وهي تردد في الجو الحار اللهم قنا حر جهنم .. ارتعشت أعماقه من جديد .. أخذ يحرك الخطو يقطع المسافة ينظر لساعته كانت تشير إلى الثانية ودقيقتان استدار دورة كاملة يتفقد حوله لعل صاحبه يأتي .. أصبح في منتصف المكان .. الشمس الحارقة حارة تلسع رأسه والوقت يمر وصاحبه لم يظهر له أثر، ثمانية دقائق ثم يعود أدراجه خائباً وتكون الصفقة قد ألغيت. لا بد أن دعاء أمه له دمر كل شئ .. مرت الدقائق كأنها دهور وحينما أصبحت الساعة الثانية وعشر دقائق عاد أدراجه، خائباً حزيناً وبينما هو يتحرك تحركت الأرض من تحته هوت أكوام الرمال لتسقط في حفرة بالأرض وتجرح الأعمدة الخشبية في الحفرة قدمه، وينزلق نصف جسده الأسفل في الحفرة لم يستطع الخروج حاول ثم حاول .. لكن قد أصبح عالقاً في الحفرة ولا سبيل لخلاصه .. ما هذا اليوم النحس رفه بصرع إلى السماء .. الشمس حارقة .. يا رب يا رب خلصني يا رب يا رب ارحمني .. فكر ما الذي يمكن أن يحدث؟ لا سبيل للنجاة فالمزرعة مهجورة ومدمرة والجو حار .. لقد هلك: أخذ يصرخ بأعلى صوته النجدة النجدة .. النجدة النجدة. يتبع في الجزء الثاني ...
الصفقة الأخيرة ! (1-1)
23 يونيو/جزيران 2013 الساعة . 12:51 م بتوقيت القدس