كتب / رائد أبو جراد: تملكه التعب أحس بعطش شديد ما الذي يحدث له ؟ إنه أمر أشبه بالخيال بالقصص .. لكنه الواقع وهو محشور داخل الحفرة ورجله تؤلمه، ولا يستطيع أن يرفع جسده أو أن ينزل ليقفز بالحفرة ثم ماذا؟ سأحترق لا محال بالشمس، سأموت تحت أشعتها الملهبة، لو يحضر أي شخص سأعطيه كل المال الذي معي، لو يحضر أي شخص، ماذا لو لم يحضر أحد؟ حتماً سأموت ولكن لا أحد يعلم عن مكاني لا يمكن أن يفكر أحد أنني هنا، وإذا مت فسوف تنهشني الكلاب الضالة ، عاد يدعو ربه .. يا رب أنقذني يا رب يا ري .. لن يستجيب ربي لدعائي، فأنا لم أصل منذ أكثر من خمس سنوات وأخذ يبكي بصوت مرتفع. رياح الصيف الساخنة تمر عليه تلفح وجهه، تذكره بحر جهنم، فيزداد بكاءً في هستيرية البكاء ، ظل هكذا حتى خارت قواه ، فأحس بأنه مودع، يا للحالة البائسة بدأ يحس بأنه في مرحلة الاحتضار تلك المرحلة التي كان غافلاً عنها عند الموت تجمعت الشياطين تريد أن ترده عن الدين أشكالها قبيحة وأصواتها عالية بشعة .. أطلت الشياطين برؤوسها حوله تنادي عليه أن يكفر .. لا .. لا .. لا .. لا. كيف سيكون حسابه ؟؟ أحس ببرودة الماء تمر على جسده وهو يُغسل ارتعش الميت يحس ماذا حينما يضمه القبر؟ ويرحل كل أحبابه ويسمع قعر نعالهم ثم يأتي الأقرع الشجاع كل ذلك يعرفه جيداً، لكن غفلة الدنيا جعلته يبتعد عن الدين .. ينسى هذا اليوم ويا لهوله ويا لقربه منه، ثم يلف بالأكفان تلتف على جسده باردة صوت بكاء أمه أيضاً يخترق أذنيه. دعاؤها يا رب اغفر له يا رب ارحمه ودَّ في هذه اللحظة لو يناديها أماه لا تكفي عن الدعاء لي يعلم الله ما بي ادعي لي يا أمي بالمغفرة. الكل تجمع حوله، صلاة الجنازة أنفاسهم وهم يتجمعون .. أصوات التكبير التي تصدح بها أفواههم تمتلئ بها نفسه ما عاد ينفعني شئ لقد ضيعت نفسي، لقد كنت في غفلة، لم يوقظني منها شئ، والموت أدركني وعلى المعصية كانت نهايتي لم يكن جسدي تظهر أو توضأ واليوم أغسل لكي أدفن .. لو أعود إلى الدنيا سأتوب .. سأترك السهرات والسفر إلى الحرام ، سأترك المخدرات وسأصلي .. نعم سأصلي .. كل فرض لكن هيهات .. هيهات .. نسي قوله تعالى "فإذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ترضاه كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" . أحس بحرقة وهو يدرك أنه سيبقى بعد دقائق وحيداً في حفرة .. في لحد سيحاسب عن كل صغيرة وكبيرة، ويا سوء ما جمعه لهذا الحساب .. ويا سوء ما فعله كي يحاسب عليه .. أمه كانت تردد له صلاتك صلاتك يا ولدي ، فهي أول ما يسأل المرء عنه يوم القيامة "الصلاة" إذا صلحت صلح باقي عمله . يا أماه ماذا سأفعل وأنا منذ سنين لم أصل .. أدع لي أن يتغمدني الله برحمته .. لم يتبق لي غير دعاؤك وبدأ يشعر بجسده وهو ينزل في القبر. يعلم أن للقبر ضمة، ما أن شعر بضمة القبر تسري بأضلعه حتى بدأ بالصراخ .. الصراخ. فتح عينيه مرعوباً فإذا هو أمام صورة أمه تقف أمامه يكاد لا يصدق أمي إني أتعذب همست له .. الحمد لله لقد رحمك ربي اتسعت عيناه ينظر حوله فإذا حفرة القبر تتسع وتتسع وأمه تلمس يده تقول اسم الله عليك يا وليد إنك لم تمت أنت في خير لقد عثر عليك راعي أغنام حينما تجمعت أغنامه عليك وأنت بحالة سيئة تذكر الشياطين حينما يحتضر وصوتها لا .. لا .. لا .. ثم نقلت إلى المستشفى . مسحت الأم على رأس ولدها: كنت مصاباً بضربة شمس شديدة فتم غسلك بكمادات الماء البارد ولف جسدك في هذه الكلمات تذكر "حينما كان يُغسل ويكفن". ثم سمح لنا الطبيب برؤيتك فكانت حالتك صعبة وكنا نقرأ عليك القرآن، لعل الله يرحمك تذكر صلاة الجنازة عليه ثم دمعت عينا أمه وهي تقول "ولقد أخبرنا الطبيب أنك تتعاطى المخدر صرخت واستيقظت متذكر ضمة القبر المهم حمداً لله على سلامتك يا ولدي" . ألقى نظرة حوله كل شئ ناصع البياض ، يده مربوطة بالأجهزة وروحه معلقة بجسده لم تفارقه .. لقد أراد الله بي خيراً إذا أيقظني من غلفتي ورحمني .. رزقني ربي عمراً جديداً كي أتوب وأنيب إليه. همس لأمه كم الساعة الآن .. قالت: الرابعة فجراً .. يا سبحان الله كم تفرق الرابعة هذه عن الثانية ظهراً وموعده مع الشيطان ولكن الآن الرابعة فجراً موعده مع التوبة والهداية ثم قال هل أذن الفجر؟ أجابته أمه نعم يا ولدي منذ نصف ساعة .. قال لها أريد أن أصلي الفجر يا أمي .. أخفت وجهها بكفيها وكانت تتم .. الحمد لله .. الحمد لله .. يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. هزت أعماقه بدعائها .. أردك أن الله أراد به خيراً إذا جعل صفقة المخدرات وحبوب الاترمال المدمر لم تتم وأنجاه من الهلاك والموت وأعطاه فرصة للتوبة.
الصفقة الأخيرة ! (1 - 2)
24 يونيو/جزيران 2013 الساعة . 10:00 ص بتوقيت القدس