كتب / رائد أبو جراد: بدَّدتْ أضواءٌ منيرةٌ ظلمةَ مبنى مركزِ التأهيلِ والإصلاحِ (الكتيبة) الرئيسِ غربَ مدينةِ غزة لتضفي نفحاتٍ رمضانيةً روحانيةً على المكانِ حديثِ الإنشاءِ والمكونِ منْ 4 طوابقَ والمحاطِ بحراسةٍ أمنيةٍ شرطيةٍ مشددة. قدْ يستغربُ القارئُ عندما يعلمُ أنَّ النزلاءَ في مركزِ الكتيبةِ يستغلونَ أوقاتهم في رمضانَ بأفضلِ حالٍ ممَّنْ يقضونَ شهرَ الصيامِ بلياليهِ وأيامهِ خارجَ أسوارِ السجونِ والجدرانِ الأربعةِ التي يقضي بينها مئاتُ الموقوفينَ والمحكومينَ أيامهم. الأجواءُ الرمضانيةُ داخلَ الأسوارِ تشعرُ بأنهمْ يعيشونَ في عالمٍ إيمانيٍّ آخرَ بحسب ِما وصفَ بعضُ مَنْ التقى بهم مراسلُ "الداخليةِ" أثناءَ تجولهِ بينَ أروقةِ وأقسامِ مركزِ التأهيلِ والإصلاحِ الرئيسِ في قطاعِ غزة. فقدْ انقلبتْ حياةُ المحكومِ (م.م) في مطلعِ العقدِ الثاني رأساً على عقبْ , بعدَ قضائهِ ما يقربُ منْ أربعِ سنواتٍ ونيف خلفَ أسوارٍ وجدرانٍ ضيقةٍ لاتهامهِ بالتخابرِ معَ الكيانِ الصهيونيِّ وضبطهِ عامَ 2007 إبانَ عودتهِ عبرَ معبرِ بيت حانون "ايريز" شمالَ غزةَ قادماً منَ الأراضي المحتلةِ عامَ 48. معالمُ الالتزامِ والثقافةِ الدينيةِ ظهرتْ جليةً على وجهِ الشابِّ "م" المحكومِ بالسجنِ مدةَ عشرِ سنوات، فبرزتْ لحيتهُ التي كانتْ مختفيةً خلالَ فترةِ سقوطهِ القصيرةِ في وحلِ التخابرِ معَ العدوِّ أضفْ إليها عدم معرفتهِ قراءةَ سورةِ الفاتحةِ وتضييعهِ للصلواتِ طوالَ فترةِ ما قبلَ توقيفه. بيدَ أنَّ الشابَّ العشريني يُقرُّ بعدَ قضائهِ قرابةَ الألفِ يومٍ بلياليها داخلَ إحدى غرفِ القسمِ (ب) في مركزِ الكتيبةِ الإصلاحيِّ أنهُ قدْ حصَّلَ ما نسبتهُ 90% من الثقافةِ الدينيةِ التي انعدمتْ لديهِ سالفاً. أوضاعُ الشابِّ صاحبِ الشعرِ الكثيفِ والبشرةِ القمحيةِ تغيرتْ بشكلٍ كبيرٍ عمَّا كانتْ عليهِ سابقاً نتيجةَ التفافِ بعضِ النزلاءِ الملتزمينَ حولهُ وحضِّهِ على إقامةِ الصلاةِ وتعليمهِ شيئاً فشيئاً تلاوةَ آياتِ القرآنِ الكريم. واليومَ وفي رمضان الرابعِ الذي يمرُّ على الموقوفِ الأمنيِّ "م" أصبحتْ الخلوةُ لساعاتٍ طويلةٍ السمتَ الغالبَ عليهِ داخلَ غرفتهِ وعلى سريرهِ المتواضعِ بعدَ أنْ أرجعَ سببَ انعدامِ التزامهِ لأصدقاءِ السوء. طأطأَ "م.م" رأسهُ وعلاماتُ الندمِ ترتسمُ على وجهه المتمعِّرِ ليعودَ بالذاكرةِ إلى أوَّلِ اتصالٍ جرى بينهُ وبينَ ضابطِ المخابراتِ الصهونيِّ قبلَ أربعِ سنواتٍ والذي كان َسبباً في ما آلتْ إليهِ أحوالُه. تبدَّلتْ نظراتُ الشابِّ الذي يقطنُ محافظةَ شمالِ غزةَ ليُشعَّ بريقٌ منْ عينيهِ الرقراقتينِ بالدموعِ مستذكراً الليلةَ الرمضانيةَ الوحيدةَ التي قضاها معْ أسرتهِ المكونةِ منْ والديهِ وأشقائهِ الصغارِ وقدْ تحلقوا وقتها حولَ مائدةِ الإفطارِ ليقضوا ساعتينِ منْ أجملِ دقائقِ عمرِ النزيل، وفقَ روايته. وما يتمناهُ المحكومُ "م" أنْ تكونَ كافةُ أيامهِ المتبقيةِ في مركزِ التأهيلِ والإصلاحِ إيمانيةً ملؤها الالتزامُ ومطالعةُ صفحاتِ القرآن. وتترامى أنظارُ المتجوِّلِ بينَ أروقةِ وأقسامِ مركزِ الكتيبةِ لتأهيلِ المحكومينِ على نوافذِ الغرفِ بلونها الأزرقِ ومنْ خلفها تسطعُ أشعةٌ وأنوارٌ تجذبُ العيونَ لرؤيةِ معالمِ الالتزامِ حيثُ الحلقاتُ القرآنيةُ وجلساتُ التفسيرِ وصفوفُ الصلاةِ المستقيمة. فيما وضعَ موقوفٌ داخلَ مركزِ التأهيلِ والإصلاحِ منذُ 14 شهراً كفهُ الأيسرَ على نافذةِ غرفتهِ في قسمِ "أ" والحزنُ يغطي وجههُ الذي اختفتْ معالمهُ خلفَ النافذة الحديديِّة المغلقِة منْ كافةِ زواياهُا وجوانبها. فيما تحلَّقَ تسعةَ عشرَ محكوماً يلاصقُ بعضهم الآخرَ وقد أمسكَ كلُّ واحدٍ منهم مصحفاً صغيراً بيدهِ اليمنى واضعاً أصبعَ سبابةِ يدهِ اليسرى على أول الآية ِثمَّ يتنقلُ بينَ الكلماتِ القرآنيةِ فتصدحُ كلماتُ اللهِ داخلَ الأقسام. في مركزِ التأهيلِ والإصلاحِ "الكتيبة" شبابٌ بعمرِ الزهورِ كانوا ضحيةً للمزاتِ الشيطانِ ومفاتنه، فلا أحدَ معصومٌ منَ الخطأ، وسجنهمْ هذا قد تحوَّلَ منْ محنةٍ إلى منحةٍ وخلوتهم فيهِ وفقَ وصفِ بعضهم تحولتْ لسياحةٍ روحيةٍ ملؤها العزمُ على العودةِ و الإنابة . منْ يدري فربما يكونُ شهرُ رمضانَ الفضيل بمثابةِ سدِّ منيعٍ يوقظُ ضميرهم ويطردُ الشرَّ والضغينةَ منْ قلوبهم ويمحوا ذنوبهم فيكونونَ عنصرَ بناءٍ فاعلٍ في المجتمع.