في مركز إصلاح وتأهيل "الكتيبة"

نزيل محكوم عليه بالمؤبد حفظ "23 جزءًا" من كتاب الله ويُواصل

6 أغسطس/آب 2013 الساعة . 11:55 ص   بتوقيت القدس

غزة / الداخلية: نقلاً عن "صحيفة فلسطين" لكل منا حياته الخاصة التي يحاول أن يوفق فيها بين متطلبات العمل واحتياجات الأبناء والمنزل حتى تسير عجلة الحياة بيسر وطمأنينة، ولعلنا نتشابه مع بعضنا في حياتنا العائلية ومتطلباتها، بينما يلقي العمل بظلاله على حياتنا ككل لمنحها صبغة خاصة. هذه الصبغة الخاصة لها نكهتها الرمضانية والتي نحاول من خلال حلقات "حياتهم" أن نسلط الضوء على حياة نماذج عدة من شرائح مجتمعية مختلفة، لنتعرف على أسلوب حياتهم في رمضان وكيف أثرت مهنة كل منهم عليه وعلى أسرته. حالة من القلق انتابتني لحظة وصولي إلى مقر مركز الإصلاح والتأهيل الرئيس "الكتيبة" في مدينة غزة؛ عشرات الأسئلة تتدافع في رأسي: من سأقابل؟، وهل سأدخل غرف النزلاء؟، أو سيحضر أحدهم إليَّ للقائه؟ سرت أنا وزميلي المصور نجتاز النقاط الأمنية، إن صح التعبير، حتى بلغنا مكتب مسئول العلاقات العامة المقدم عمر عوض (أبي أسامة) الذي كان مشغولًا بمكالمة على خطه النقال. أشار إلينا بالجلوس إلى الطرف الآخر من مكتبه، أنهى مكالمته، واستأذننا للخروج لأمر مهم. عندها تابع معنا الإجراءات ضباط آخرون، وفي غمرة الحديث وقف شاب بالقرب من مكبر صوت موصول بسماعات تغطي جميع أجزاء السجن ليعلن نداء "الله أكبر". أذن الظهر ودلف إلى المكتب عدد من موظفي السجن وضباطه حتى مديره المسئول؛ لأداء الصلاة في جماعة، وعلى طرف ليس ببعيد كان يجلس رجل ملتحٍ يرتدي عباءة رجالية، بدا كأنه شيخًا، يجلس إلى جواره فتى في مقتبل العمر، يتهامسان حتى لا يؤثر حديثهما على من حولهما. ثم وقف الشيخ ليؤم صلاة الجماعة، أما الفتى فاختفى دون أثر، بعد انقضاء الصلاة جلس إلينا الشيخ، ليتبين لنا أنه موظف في قسم الإرشاد الديني التابع لدائرة العلاقات العامة في السجن، واسمه مسعود أبو راس. سألنا أبو راس عن نزيل يقص علينا تفاصيل حياته في رمضان، كيف يمضي به الوقت في السجن، فقال لنا: "منذ لحظات كنت أجلس إلى أحدهم هنا"، والتفت إلى الناحية الثانية مناديًا: "محمد تعال". كان فتى يافعًا في مقتبل العمر، اقترب محمد وجلس بجواري ليقص على "حياتهم" تفاصيل حياة السجن التي تقف عندها عقارب الساعة تمردًا على سرعة سير الزمن؛ لنعرف معه كيف يعيش النزيل في السجن هذه الأيام الفضيلة. مختلف هذا النزيل هو (م . خ) ابن ( 21 ) عامًا، من مدينة رفح، وهو قيد الاعتقال منذ نحو سبع سنوات، ويواجه حكمًا بالسجن المؤبد على خلفية اتهامه بالمشاركة في عملية قتل "مروعة"، إلا أنه أكد أنه اعترف لينقذ شقيقه نظرًا إلى أنه قاصر، ولن يأخذ عقوبة مشددة. وبغض النظر عن تلك التفاصيل إن هذا النزيل هو هنا في هذا السجن منذ سبعة أعوام، يقول عن شهر رمضان: "تختلف تفاصيله من عام إلى آخر، فكل عام له ما يميزه من غيره من الأعوام، وإن كانت الأعوام كلها تتقاسم مرارة فراق العائلة، وخاصة الأم". يتابع: "هنا لا ننام الليل، فحين يحل علينا موعد السحور نحضر ما تيسر لنا، نتناوله ثم نستعد إلى أذان الفجر وصلاته في جماعة مع الزملاء في النُزل نفسه، وعددهم خمسة، ثم نتلو ما تيسر لنا من القرآن، ثم نسبح الله حتى شروق الشمس". ويسترسل: "آخذ قسطًا من الراحة، أنام حتى موعد صلاة الضحى، أصليها ثم أتابع حفظي لكتاب الله الذي حفظت منه خلال الأشهر الخمسة الماضية نحو 23 جزءًا، ولا أزال أواصل الحفظ يوميًّا إلى ما قبل أذان المغرب بساعة" . ويتابع: "بعد تناول طعام الفطور نصلي المغرب ونسبح قليلًا استعداد إلى صلاة التراويح، وبعد الانتهاء منها نجلس نتسامر حتى موعد السحور، وهكذا يمر بي قطار العمر وأنا هنا خلف القضبان، حيث أعيش رمضان السابع هذا". (كانتينا) و(كوبون) وبالانتقال إلى الظروف التي يعايشها السجناء في مدينة غزة، حدثنا خليفة أنه يوجد في المركز نزيل مخصص لشراء المستلزمات من (الكانتينا) لجميع النزلاء، مبينًا أن كل نزيل يكتب طلباته ويعطيه (كوبون) بالقيمة المالية. وأفاد أن والدته تأتي ل(الكانتينا) وتودع له النقود، وتقوم (الكانتينا) بتحويلها إلى "كوبونات" مختومة تسلمها للنزيل الذي يقوم بدوره بدفعها ل(الكانتينا) بدلًا من النقود للشراء، وتسمح إدارة السجن لخليفة بأن يستقبل وجبة من إعداد الوالدة مرة كل أسبوع. عن ذلك يقول: "تعد والدتي لي الطعام وتحضره إلى السجن قبيل أذان المغرب بربع ساعة، وتعود إلى رفح لتصل مع صلاة العشاء وهي لا تزال صائمة، أما أنا وزملائي في العنبر فنتناول الطعام الذي أعدته بشغف كبير، إلى درجة أن بعضهم يغتنم الاتصال المخصص له بالاتصال بوالدتي لشكرها على تلك الأطباق". أحن إلى أمي الحديث عن والدته بدا محببًا إليه كثيرًا إلى درجة أنه استرسل في سرد ذكرياته مع والدته، التي كانت تستيقظ باكرًا لإعداد طعام السحور، ثم تجلس تسامر أبناءها حتى لا يناموا قبل أن يصلوا الفجر. أما والده فيقول عنه: "كان عندما يأتي من صلاة الفجر يبحث عنا، ويسأل: "من صلى الفجر؟، من نسي أن ينوي الصيام؟، وهكذا"، اغرورقت عيناه بالدموع إلى درجة أني سمعت صوت شهقة مكتومة، وكأنه أراد أن ينفجر باكيًا أو يصرخ بأعلى صوته: "اشتقت إليكم" إلى عائلته التي غادرها قبل سبع سنوات، ولا تزال الطريق أمامه طويلة طويلة. حبس عبرته وأشاح بنظره بعيدًا عني، قبل أن يواصل حديثه: "مسموح لي أن أرى والدتي كل أسبوع مدة ربع ساعة تكون من وراء شبك (...) هنا لا أفعل شيئًا سوى حفظ القرآن، ومقارنة كل شهر بالشهر الذي سبقه". وتمنى على الله أن يفرج عنه كربته، ويجمعه بوالدته وأهله جميعًا، وقال: "بتمنى يما تدعيلي في هذا الشهر الفضيل، وترضي عني، وربنا يخفف عليكم مصابكم". بالعودة إلى المرشد أبو راس تبين لنا أنه حصل بجهد شخصي على مكرمة من رئيس الوزراء إسماعيل هنية، بأن من حفظ القرآن الكريم من النزلاء، واستقام حاله وصلُح؛ ينَل تخفيفًا للحكم، إلا من عليه قتل. وشرح أن دوره في مركز الإصلاح والتأهيل يقوم على الحث على الصلاة، ومعالجة المسائل الأخلاقية بالوعظ الديني، وجلسات الذكر، وتحفيظ القرآن لمن أراد من النزلاء، وحثهم على اغتنام وقتهم، التأكيد لهم أنهم محاسبون على هذا الوقت. وطالب أبو راس وزارة الداخلية أن توفر أكثر من مرشد داخل "مركز الكتيبة" الذي يحوي 300 نزيل، وأن توفر محفزات تحفيظ داخلية تتمثل في الهدايا والزيارات والاتصالات، وأخرى خارجية تتمثل في تخفيف الأحكام لمن صلُح حاله بشهادة المتابعين له. وقال: "ما جعل الله لامرئ من قلبين في جوف واحد، فإما قلب الصلاح أو قلب المعصية، فإن تبين لنا أنه قلب صلاح فلما لا نعزز هذه القيمة لديه؟!، نحن هنا للإصلاح والتأهيل، لا للضرب والتعذيب". وأكد أهمية الحالة النفسية، وبين كيف أنها تلعب دورًا محوريًّا في حياة كل سجين، وأنه من خلال دائرته سعى لحل مشاكل النزلاء؛ حتى لا تشغلهم عن حفظ القرآن، مشيرًا إلى أن كل جزء يتم حفظه يتبعه اختبار من قبل لجنة مكونة من التوجيه السياسي والمعنوي تعقد أسبوعيًّا يوما الاثنين والخميس لاختبار الحفظة. غادرنا السجن ولا تزال عينا النزيل "م" تتابعاننا، وكأنهما تتمنيان لو أنهما ترفرفان حولنا، وتصحباننا إلى خارج هذه الجدران الأربعة، حيث الشمس والبحر، وليالي السمر مع العائلة، ورائحة خبز أمه.