ضابط مباحث: لعملي "امتيازات" و"سلبيات" و"تهمة" غزة / الداخلية: نقلاً عن "صحيفة فلسطين" لكل منا حياته الخاصة التي يحاول أن يوفق فيها بين متطلبات العمل واحتياجات الأبناء والمنزل حتى تسير عجلة الحياة بيسر وطمأنينة، ولعلنا نتشابه مع بعضنا في حياتنا العائلية ومتطلباتها، بينما يلقي العمل بظلاله على حياتنا ككل لمنحها صبغة خاصة. هذه الصبغة الخاصة لها نكهتها الرمضانية والتي نحاول من خلال حلقات "حياتهم" أن نسلط الضوء على حياة نماذج عدة من شرائح مجتمعية مختلفة، لنتعرف على أسلوب حياتهم في رمضان وكيف أثرت مهنة كل منهم عليه وعلى أسرته. حياتهم محفوفة بالخطر، القلق والتوتر يسودان الموقف، لا أوقات مخصصة للعائلة، صلة الأرحام تشكو التقصير، أما العلاقات الاجتماعية فهي محدودة جدًّا، لا مجال للتسوق بصحبة العائلة أو التنزه، كما أي أسرة تعيش حياتها الطبيعية. هوية الأسرة يحرصون على أن تبقى "مجهولة" إلا في أمكان محددة قليلة؛ خوفًا من ثأر نفس مريضة عرضت للقبض والتحقيق والسجن لقاء ذنب اقترن بأدلة وبراهين، دوامهم مفتوح؛ فهم ( 24 ) ساعة رهن الإشارة. عباداتهم عدا الصلاة تجدها متقطعة نتيجة تلبية نداء الطوارئ، يصفون أنفسهم بالمرابطين على الثغور، ويفخرون بأنهم حماة أمن الوطن، حياتهم "غير عادية"؛ فهم على خصام مع الزمن ما إن يمسكوا طرف خيط في قضية. قد يغيب عن المنزل أيامًا دون أن تعرف عنه أسرته شيئًا، وقد يغيب عن الإفطار في رمضان، أو يجلس إلى المائدة وما إن يسمع صوت المؤذن للمغرب حتى يأتيه اتصال فيغادر، وكل ذلك لا يساوي حجم الألم الذي يشعر به ورائحة الدم التي يشمها في الملفات الجنائية التي يعالجها. مسك ختام حلقات "حياتهم" لهذا العدد من ملحق "هلالك الرمضاني" نخصصها لتسليط الضوء على حياة ضابط في جهاز المباحث الذي يتبع وزارة الداخلية، مع تحفظ الصحيفة على اسمه نظرًا إلى حساسية موقعه المهني. أتأثر بما أراه جلس ضيف حلقتنا إلى مائدة الإفطار مع زوجه وأطفالهما ينتظر أن يصدح المؤذن بصوت الأذان، وإذا هاتف يدق، بلغه اتصال من المركز: "هناك جريمة قتل وقعت في المنطقة التي تتبع لك". هرع إلى عربة، وانطلق مسرعًا إلى مكان الحادث الذي قتل فيه شقيق شقيقه أمام مائدة الإفطار، قال الضابط: "حصلت هذه الحادثة معي قبل عامين، تخيل أن تنهض عن مائدة طعام لتلاقي موائد من الدم المتجمع في أرض منزل القتيل". وتابع: "عملي بلا مواعيد؛ فأنا مستعد إلى تلبية الطوارئ طيلة ال( 24 ) ساعة اليومية، وقد أندمج في عملي بقضية ما؛ فأنسى العودة إلى منزلي وتناول الطعام، وأي مواعيد كانت لي مع أي شخص، سواء كان من الأصدقاء أم الأقارب". وبين أن ما يعيشه رجل المباحث من أجواء ملغومة ينعكس على نفسيته وعلى أسرته، وتترجمه عصبيته غير المفهومة، مشيرًا إلى أنه واجه صعوبات في بادئ الأمر؛ نتيجة قلق أسرته عليه، إلا أنهم تأقلموا مع حال عملهم. تكثر المشاكل في رمضان قال الضابط: "لما حل شهر رمضان شمرنا عن سواعدنا استعدادًا إلى موسم من المشاكل، التي أغلبها تكون عائلية، وفي هذا الشهر على فضله تجد نفوسًا مشحونة، وأعصابًا متوترة، تترجمها أفعال عدوانية تجاه الآخرين" . وبين أن ليلة ال( 27 ) من رمضان يقومها جميع العباد إلا رجال المباحث الذين يكثفون الدوريات، وينتشرون في كل مكان، ويحصون المشبوهين؛ خوفًا من حصول عمليات سطو؛ نتيجة رصد لصوص لمنازل يقوم أصحابها الليل متعبدين في المساجد؛ فتحدث عمليات السطو التي تحاول المباحث الحيلولة دونها قدر المستطاع. وأفاد أن شهر رمضان هذا العام ( 2013 م) اتسم بالهدوء مقارنة بالسنوات الأخرى، لافتًا إلى حالة الطوارئ التي يعيشها جهاز المباحث في العشر الأواخر من رمضان؛ لتأمين المساجد وتأمين منازل المصلين في أثناء وجودهم في المساجد. نعيش مع المفاجأة أكد ضيفنا أنه لا يوجد للجريمة إرهاصات تساعدك على توقع حدوثها، ويُعرِّفها بأنها حدث بلا موعد، شارحًا أن هذه الطبيعة الغامضة للجريمة تضطر رجل المباحث إلى الصلاة في الصفوف الأخيرة من الجامع؛ استعدادًا إلى التحرك السريع في حال حدث طارئ. وقال: "لا نشعر بالصلاة والعبادات كغيرنا، فكرنا مشغول دائمًا، نتساءل: ما الذي قد يحدث؟، ونحتسب أنفسنا عند الله كالمرابطين، فهذا العمل اختياريًّا، كان بإمكاننا أن نطلب النقل إلى جهاز آخر، ولكنه اختيارنا" . وأشار إلى مكتبة بجوار مكتبه، وقال: "هاك عدد من المصاحف، نستغل الأوقات الصباحية التي غالبًا ما تكون هادئة في قراءة القرآن، على أمل أن نتم ختمه في رمضان، ولو مرة واحدة، حتى في أثناء القراءة لو سمعت جلبة هنا أو هناك أغلقت مصحفي، وأسرعت لتقصي الأمر". فئة ضالة وبين ضابط المباحث أن تعاملهم يقتصر على الفئة الضالة من المجتمع، وأن الأجهزة الأخرى من أمن داخلي وشرطة حدود عملهم أضيق، فهم يتعاملون مع شريحة معينة، أما عمل المباحث فأشمل وأعم. وذكر الضابط بعض المواقف السلبية التي واجهها من بعض من تعامل معهم داخل غرف التحقيق عندما التقاهم خارجها، ومن هذه المواقف: "ألقينا القبض على شاب متورط في جريمة أخلاقية بأدلة وبراهين، ونال جزاءه، وبعد مدة كنت أجلس على شاطئ البحر بصحبة أسرتي، وإذا هذا الشخص يمر بجواري ويقول لي: "بجيلك يوم"، رفعت هاتفي إلى أذني، ففر هاربًا، وزوجتي امتقع وجهها خوفًا". وتابع: "هذا التهديد واجهته بطريقة قانونية، واستدعيت هذا الشخص وتعاملت معه وفقًا للقانون، ولكن بعد هذه الحادثة بت أخشى على أسرتي، فلا أظهر معها في مكان عام إلا على نطاق ضيق، وفي أماكن محدودة ليست مفتوحة مثل شاطئ البحر". ولفت إلى أن هذه الحادثة خلفت خوفًا كبيرًا في نفس زوجته التي بصعوبة بدأت تتأقلم مع طبيعة عمله وتتفهمه، وأعادت القلق إلى نفسها من طبيعة هذه المهنة الصعبة التي لا تتعامل إلا مع هذه الفئة من مجتمعنا. وفي المقابل أردف: "بعض من تعاملت معهم داخل غرف التحقيق قد ألتقيه خارجها فيسلم علي ويقول لي: "خلاص، تبت لله"، فينشرح صدري؛ لأني ساهمت في إصلاح هذا الإنسان الذي ابتعد عن النهج القويم مدة" . هم الناس يعد هذا الضابط نفسه حاملة لهم الناس، وعن ذلك قال: "أشعر بالفرح إن تمكنت من حل قضية وإعادة الحق لأصحابه، والعكس صحيح إن أغلقت القضية في وجهي، وكلتا الحالتين تنعكس علي في المنزل؛ ففي النهاية أنا بشر وأتأثر بما أراه". ومن طرائف ما حصل معه روى: "في أول يوم للدراسة طلبت من سائق _وذلك لأول مرة_ أن يقل أطفالي إلى المدرسة، وأن يحضرهم؛ لأنهم لا يعرفون طريق العودة، وفي موعد عودتهم تلقيت اتصالًا من السائق ليخبرني أنهم غير موجودين". وأردف: "لك أن تتخيلي ماذا خطر في بالي: هل اختطفوا؟، هل حصل لهم مكروه؟، وزوجتي ما إن علمت بالأمر حتى وجهت التهمة لعملي قائلة: "بسبب شغلك"، وبعد ساعة ونصف من البحث وجدناهم تائهين عن طريق المنزل". رسائل في ختام حديثنا إليه توجه ضابط المباحث برسالتين: الأولى خص بها زملاءه في المهنة، قائلًا: "هذه المهنة بالرغم من صعابها ومتاعبها هي اختيارك، وهي طريق إلى أدق تفاصيل خصوصيات الأسر؛ عليك أن تكون كاتمًا لأسرار وأعراض الناس، فالستر أهم شيء في عملنا، وفي المقابل لك امتيازات: الدوام المفتوح والزي المدني وغيرها التي تغلب على المساوئ". أما الثانية فكانت للشعب الفلسطيني، قال فيها: "كل عام وأنتم بخير، نتمنى لموضوع مصر أن يُحل على خير، وكذلك المعابر والوقود والكهرباء والحصار والبطالة، وكل ما يؤرق المواطن الفلسطيني، و لا سيما وضعه المادي، نسأل الله أن يغير الحال إلى أفضل منه العام المقبل".
علاقاتهم خليط من نار وبرود
رجال المباحث .. ( 24 ) ساعة رهن الإشارة
7 أغسطس/آب 2013 الساعة . 10:47 ص بتوقيت القدس