وهب كليته لأبيه وحمل في قلبه هم الجرحى

الشهيد الطبيب إيهاب المدهون.. شهد له الجميع بالكفاءة والمهنية

21 أغسطس/آب 2013 الساعة . 10:51 ص   بتوقيت القدس

كتبت/ فاطمة الزهراء الدويك: عندما ناداه الوطن هبّ مدافعا يذود عن حماه ملبيا، أعد نفسه يدفعه شوقه لشهادة في سبيل الله، غير آبه بقصف المدافع وتربص المرتجفين، ففي جوف الليل الحالك كان في المقدمة مقبلا غير مدبر يداوي الجراح ويكفكف دموع الثكالى، إنه الشهيد الطبيب إيهاب عمر خليل المدهون ابن الخدمات الطبية العسكرية في وزارة الداخلية والأمن الوطني. المولد والنشأة كان حي الأمل في مدينة خان يونس الصمود في الثاني عشر من مايو من عام 1976 على موعد مع ميلاد الشهيد إيهاب عمر خليل المدهون الذي تربى في كنف أسرة كريمة أنشأت أبناءها على حب الله ثم الوطن . درس إيهاب المرحلة الأساسية من تعليمه في مدارس المدينة حيث كان نموذجا للطالب المتفوق، أحبه مدرسوه ورفاقه لاجتهاده الذي كان مميزا، لينتقل مع أسرته في بداية التسعينات للعيش في حي الدرج بمدينة غزة، ليكمل شهيدنا فيها دراسته الثانوية في مدرسة يافا حيث أبدع فيها محققا نجاحا باهرا . تقول أم إياد والدة الشهيد: "كان إيهاب ابنا بارا بأهله منذ نعومة أظفاره، فقد كان مثالا في الأدب والأخلاق، لكنه كان في الوقت ذاته يكنّ حقدا كبيرا على من سرق وطنه وطرد أهله، فبرغم تفوقه الكبير في المدرسة كان يلاحق العدو بالحجارة إلى أن اعتقل ذات مرة وهو في الرابعة عشرة من عمره خلال الانتفاضة الأولى". وتضيف أم الشهيد: "بعد نجاحه الباهر في الثانوية العامة توجه إيهاب إلى روسيا لدراسة الطب وفي أثناء دراسته في روسيا تزوج بفتاة روسية مسلمة الأصل أنجب منها 4 أطفال (خالد، نور، سجود، أمل). الشاب الملتزم وأوضحت أم إياد أن الشهيد إيهاب كان شابا ملتزما أثناء فترة دراسته خاصة وأنه يعيش في بلاد تعجّ بها الفتن في كل مكان، مشيرة إلى أنه كان يحاول أقصى جهده ألا يثقل كاهل والده الذي كان ينتظر ولده بأن يعود طبيبا ناجحا ليكون فخرا للعائلة، فقد كان يعمل بجانب دراسته ليوفر مصروفه وفي المقابل يحصل على أفضل الدرجات. وتسكت الأم برهة ثم تتابع: "خلال إحدى زياراته لنا أثناء دراسته قام أفراد من الاحتلال بتفتيشه وعندما وجدوا مصحفا في محتوياته همّوا بإمساكه فمنعهم وقال لهم: "كيف تمسكونه وأنتم أنجاس". وعن نبأ الاستشهاد أوضحت الأم أنها استقبلت ذلك النبأ بصبر واحتساب متمنية أن يجمعها به في مستقر رحمته”. ويقول خليل المدهون شقيق الشهيد: "كان أخي إيهاب مثالا يحتذى به في الالتزام، وبقي على ذلك النهج بعد سفره للدراسة على عكس كثير من الشباب الآخرين، وعندما عاد إلى غزة رجع للمسجد الذي تربى فيه (مسجد التوبة)". وعن معاملته للآخرين، أكد المدهون أن الشهيد إيهاب كان قد بذل نفسه لمساعدة وخدمة من يحتاجه، كذلك كان لا يقطع رحمه أبدا برحمه. وهب كليته لأبيه ويتابع المدهون: "أصيب والدي عام 1998 بفشل كلوي وكان يحتاج لزراعة كلية، حينها كان أخي إيهاب في روسيا وعندما علم بذلك نزل على الفور من روسيا إلى الأردن ليتبرع لوالدي بكليته ويبقى بكلية واحدة رغم أن والدي كان يرفض ذلك إلا أن إنسانيته كانت تلح عليه أن يفعل ذلك". وأوضح المدهون أن الشهيد وبعد عودته من الدراسة تعرض أكثر من مرة لمحاولة اغتيال، فالأولى كانت إبان الحسم العسكري في القطاع فقد تعرض له بعض الخارجين عن الصف الوطني وحاولوا قتله أثناء إسعافه لأحد الجرحى لكنه نجا بفضل من الله، مضيفا: "وخلال عملية محرقة جباليا التي شنّها العدو الصهيوني كان أخي الشهيد على رأس عمله في الميدان ليسعف المصابين، وأثناء تواجده في سيارة الإسعاف استهدف العدو السيارة بصاروخ فاستشهد السائق على الفور ونجا إيهاب". كفاءة مهنية وفيما يتعلق بعمل الشهيد تابع المدهون: "عمل أخي الشهيد في مواقع عديدة وكان الجميع يشهد له بالكفاءة والمهنية في كل مكان عمل فيه ومن أهم الأماكن التي عمل فيها: مستشفى الوفاء للتأهيل من 2004 حتى 2006، كما عمل مديرا للخدمات الطبية العسكرية من 2006 حتى 2008 وكان من مؤسسي الخدمات الطبية العسكرية التابعة للقوة التنفيذية آنذاك، وقبل استشهاده بفترة بسيطة جدا انتقل ليعمل في وزارة الصحة وحتى تاريخ استشهاده. أما عن يوم الاستشهاد فبين المدهون أنه وفي مساء يوم 30/12/2008 انطلق الشهيد مع زملائه لإنقاذ مصاب من منطقة جبل الريس وهناك استهدفتهم طائرة الاستطلاع بصاروخين فأصيب د.إيهاب إصابة بالغة دخل على إثرها غرفة العناية المركزة في مستشفى الشفاء حتى فاضت الروح إلى بارئها يوم 31/12/2008. متفاني في العمل ويؤكد د.طارق الملاحي من الخدمات الطبية العسكرية في الوزارة وزميل الشهيد أن د. إيهاب من أكثر الأطباء مهنية وإخلاصا في العمل، مشيرا إلى أن تفانيه اللامحدود في العمل جعل من اسمه ساطعا في كل مكان . وتابع الملاحي:" لم أجد خلال فترة عملي مع الشهيد إيهاب من هو أكثر منه تواضعا وخجلا وطيبة، وهذا من خلال تعاملي معه وشهادة العاملين معه". وبحسب اللجنة المركزية للتوثيق وملاحقة مجرمي الحرب، فقد أكدت أنه وبتاريخ 30/12/2008م تم استهداف الطبيب إيهاب المدهون أثناء قيامه بواجبه حيث يعمل ضمن طاقم طبي يتبع لوزارة الصحة، وقالت: "تلقى الشهيد المدهون إشارة من قبل المستشفي للقيام بإسعاف مصابين في منطقة الريس، وعندما وصل إلى المكان المذكور قام بإسعاف شخص واحد لم يجد غيره ومن ثم عاد إلى البيت، مع أن الإشارة التي وجهت إليه كانت تقول بوجود اثنين من المصابين في المكان". وأضافت اللجنة: "لم يشعر المدهون بالارتياح لأنه لم يجد الشخص الآخر مما دفعه للذهاب مع الطاقم المسعف إلى المكان حسب إفادة زوجته، والتي أكدت أنه في حوالي الساعة الواحدة فجراً تم الاتصال من مستشفي كمال عدوان ليخبروها بإصابته البالغة وسرعان ما فارق الحياة بعد ساعات على إثر إصابته إصابة خطرة". وبينت أنه بالرغم من انه كان يرتدي زي المسعف وكان برفقة طواقم إسعاف مع سيارة إسعاف يوجد عليها إشارات فسفورية تدلل على أنه فريق طبي يؤدي واجبه، تم استهداف الطاقم المسعف بأكمله حيث أدى إلى استشهاد البعض وإصابة البعض الآخر من المسعفين. وبينت اللجنة أن ما ارتكبته قوات الاحتلال الصهيونية من انتهاكات جسيمة يخالف أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين والبروتوكولات الملحقة بها وبصفة خاصة المواد المتعلقة بحماية السكان المدنيين، وحماية أفراد الخدمات الطبية، وحماية الأعيان المدنية.