مسعفو الخدمات الطبية.. جنود مجهولون عملوا على مدار الساعة

8 سبتمبر/أيلول 2014 الساعة . 12:52 ص   بتوقيت القدس

غزة/ الداخلية/ رائد أبو جراد:

وضعت الحرب على غزة أوزارها بعد 51 يوما من القصف والدمار والاستهداف ولا زالت أكوام الركام في مختلف أنحاء القطاع تروي حكايات مؤلمة وقصص مأساوية.



"رأيت أطفالاً ونساءً وشيوخاً ممزقين إلى أشلاء تنتشر أجسادهم بين الأزقة والمنازل المدمرة بمنطقة النزاز شرق الشجاعية ودخان القذائف المدفعية يُغطي المكان" .. مشهد من عشرات المشاهد المؤلمة التي رواها أحد المسعفين العاملين ضمن طواقم مديرية الخدمات الطبية بوزارة الداخلية.


 
60
مسعفاً ضمن صفوف وحدة الطوارئ التابعة لمديرية الخدمات الطبية لم يتذوقوا طعم النوم طيلة أيام العدوان ، فالهجمة المسعورة من الاحتلال على أبناء شعبنا دفعتهم للعمل بكامل طاقتهم.


قصص مروعة

يروي "أبطال وحدة الإسعاف والطوارئ" بالخدمات الطبية تفاصيل مؤثرة وقصصاً مروعة لساعات وأيام قضوها داخل مركبات الإسعاف وبين المنازل المدمرة وركام مناطق باتت "أرضاً محروقة وأشبه بزلزال".



الشجاعية.. خزاعة.. بيت حانون.. "من أشهر المناطق التي عصفت بها آلة الحرب الإسرائيلية إلى جانب مجازر مسحت عائلات بأكملها من "السجل المدني"، لكن صور المأساة لم تُمحى من ذاكرة رجال الإسعاف ممن عاشوا أياماً صعبة، كما يصفون.



من بين تلك الأحداث المؤلمة روى محمد القرعة – سائق إسعاف بمديرية الخدمات – صور مروعة شاهدها بأم عينه في اللحظات الأولى لمجزرة الشجاعية.

ويقول سارداً جزء من هذه المجزرة "دمار في كل مكان الأشجار احترقت وسيارات اسعاف تدمرت ومنازل هدمت .. القصف العشوائي استهدف كل شئ"، مضيفاً "كنا ننقل الشهداء وقد مزقت القذائف أجسادهم إلى أشلاء ونقلت شهداء مقطعي الرؤوس وجرحى مبتوري الأطراف .. كان مشهداً مروعاً لم يمر علي في الحربين السابقتين".



ويؤكد أنه كان شاهداً حياً على المجزرة البشعة التي استهدفت زميله المسعف فؤاد جابر والمصور الصحفي خالد حمد في اللحظات الأولى لمجزرة الشجاعية.

أشلاء ممزقة

ولم تكن هذه المشاهد الفاجعة الوحيدة التي صعقت المسعف "محمد" فقد رأى بأم عينه مجزرة مروعة بحق عائلة بمنطقة النزاز شرق الشجاعية .. أسرة مكونة من 8 أفراد الجدة والأب والأم وأبناءهم الصغار لجأوا لـ"بيت الدرج" عله يحميهم من الحمم التي أطلقتها مدفعية الاحتلال بشكل عشوائي.


ويصف سائق الإسعاف تلك المجزرة "صعقت من هول المشهد 8 مواطنين الأب يحتضن طفلته الصغيرة والجدة والأم عبارة عن أشلاء ممزقة .. كانت لحظات صعبة للغاية".


لم يكن حال ضابط الإسعاف "فارس" مختلفاً عما وصفه زميله "محمد" فقد تعرضت سيارة الإسعاف التي كان يقودها لاستهداف مباشر فجر ارتكاب الاحتلال لمجزرة الشجاعية.


ولم تكن مجزرة الشجاعية الأولى التي يستذكر ضابط الإسعاف "فارس" تفاصيلها فقد عايش مجزرة الشجاعية الثانية التي استهدفت تجمعاً للمواطنين في شارع صلاح الدين قرب سوق البسطات الشعبي.


ويقول واصفاً تلك المأساة : "تلقينا إشارة من العمليات باستهداف الاحتلال بوابل من القذائف المدفعية لمواطنين قرب سوق البسطات بالشجاعية صعدت لسيارة الإسعاف وسارعت لمكان الاستهداف".


تفاجأ "فارس" بإصابة زميله المسعف أكرم العارور أثناء محاولته إسعاف المواطنين، مضيفاً "أثناء محاولتي تقديم الاسعاف لزميلي أكرم وللمواطنين المصابين انهالت سبع قذائف مدفعية على المكان".


صُدم ضابط إسعاف الخدمات من هول ما رأى فالشهداء تناثرت أشلائهم ودمائهم على شقي شارع صلاح الدين حيث مكان المجزرة .. أطفالاً وشباباً ورجالاً وشيوخاً .. جميعهم بين شهيد أو جريح فقد أطرافه وأجزاء من جسده.

عائلة النيرب

أما المسعف مازن مشتهى - في منتصف العشرينات من عمره - روى هو الآخر مشاهد قاسية كالتي سردها زملائه.


فأثناء توجه طواقم الإسعاف لانتشال جثامين شهداء عائلة النيرب في حي الصبرة جنوب غزة التي دمرت طائرات الاحتلال الحربية المنزل على رؤوس ساكنيه شاهد المسعف مشتهى وأقرانه من الطواقم الطبية وطواقم الدفاع المدني صوراً مروعة.


"أخرجنا الأم وأطفالها الأربعة من أسفل سقف المنزل المدمر .. كان الوضع صعب للغاية الشهداء عبارة عن أشلاء بعضهم انتشلنا جثمانه بلا رأس والآخر عبارة عن أشلاء ممزقة".


ووصف المسعف مشتهى عمله ضمن طواقم الإسعاف التابعة للخدمات بـ"الصعب"، قائلاً "كنا نعمل على مدار أيام وساعات متتالية بلا نوم ولا يوجد وجه شبه بين هذا العدوان وما سبقه من عدوان في 2008 و2012".


بينما ذكر سائق الإسعاف محمود المهدد – 26 عاماً – أن ما شاهده خلال العدوان أصعب من الوصف، مستطرداً "ما شاهدناه من جرائم حرب ومجازر بشعة ارتكبها الاحتلال بحق أبناء شعبنا أصعب بكثير مما يتخيله العقل البشري".

مجزرة البطش

أما مجزرة عائلة البطش فشكلت لدى المسعف "محمود" صدمات نفسية كبيرة باعتباره أول سائق إسعاف يصل لمكان الحادث المؤلم الذي وقع عقب أداء المواطنين صلاة التراويح في مسجد الحرمين بمنطقة الشعف شرق مدينة غزة.


"رأيت شهداء كانوا على قيد الحياة يلتقطون أنفاسهم الأخيرة" كان من بين أكثر المشاهد المؤثرة على المسعف المهدد.


وقال واصفاً تلك المجزرة البشعة التي حصدت أرواح 20 فرداً من عائلة واحدة : "كانت ليلة سوداء رأيت أشلاء متناثرة في المكان .. فتحنا سيارة الاسعاف لنضع شهيد انتشلناه فتفاجأنا بوجود شهيد ثان قد وضعه المواطنون".


بينما روى مسعف آخر موقفاً مؤثراً حدث معهم أثناء إخلاء شهداء وجرحى من تحت أنقاض منزل مدمر شرق الشجاعية.


وسرد روايته لذلك المشهد "كنا نخرج الشهداء من تحت الأنقاض وأفراد أسرتهم الأم والأشقاء ينظرون على أبناءهم الممزقين إلى أشلاء .. الأطفال يصرخون والجثث منتفخة ورائحة الموت تتنشر في المكان".


ويشير ذلك المسعف إلى أن الطواقم الطبية بالتعاون مع رجال الانقاذ في الدفاع المدني مكثت في المكان المدمر من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثالثة عصرا حتى تمكنت من اخراج الجثامين.


وعمل المسعفون وأفراد الأطقم الطبية التابعة لمديرية الخدمات على مدار الساعة خلال العدوان الغاشم على قطاع غزة والذي دخل شهره الثاني على التوالي.


جدير بالذكر أن الأطقم الطبية التابعة لمديرية الخدمات الطبية نفذت أكثر من 3 آلاف مهمة إسعاف وإنقاذ للمواطنين خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمر لمدة 51 يوماً.


وأوضحت الخدمات - في تقرير إحصائي لعملها خلال العدوان - أنها نفذت 2940 مهمة إسعاف وإنقاذ للمواطنين خلال أيام العدوان.


وذكر التقرير أن طواقم الإسعاف والطوارئ – ورغم الاستهداف الإسرائيلي المباشر – أخلت 605 شهيداً من شهداء العدوان ونقل 3050 جريحاً من مناطق القصف إلى المستشفيات الفلسطينية.


وبين التقرير أن مراكز الخدمات الطبية المنتشرة بقطاع غزة قدمت الرعاية الصحية لقرابة 45 ألف مواطن ترددوا عليها طيلة أيام العدوان.


وأشارت المديرية إلى أن طواقمها أشرفت طبياً على 12 مركزاً للإيواء تضم آلالاف النازحين، قدمت خلالها الخدمات الطبية اللازمة للمرضى بهذه المراكز.


يذكر أن مديرية الخدمات الطبية قدمت خلال العدوان خمسة من أفرادها شهداء جراء الاستهداف الإسرائيلي لسيارات الإسعاف التابعة لها، كما أصيب 26 آخرون بجراح مختلفة.