شرطة الهندسة تشكو من الإمكانيات البدائية

المتفجرات .. خطر محدق يُجابه بمعدات متهالكة !

22 سبتمبر/أيلول 2014 الساعة . 10:43 ص   بتوقيت القدس

غزة / رائد أبو جراد:

لم يتوانى الاحتلال في استخدام كل ما هو جديد من الأسلحة بعضها محرم دولي حيث مثل قطاع غزة "حقل تجارب" لصواريخ طائراته وقذائف بوارجه ومدفعيته الثقيلة، حيث أطلقت على مدار سبعة أسابيع، كميات هائلة من الصواريخ، والقنابل، والقذائف المدفعية بمختلف الأحجام والأنواع سببت دمارًا هائلًا في المنشآت والمنازل والبني التحتية ، والتي لم ينفجر بعضها بعد.

فقد صبت الماكنة الحربية الإسرائيلية حمم صواريخها وقنابلها وقذائفها المختلفة على قرابة المليون وثمانمائة ألف مدني فلسطيني يقطنون قطاع غزة – 360 كيلو متر مربع – على مدار 51 يوماً في حرب وصفها مراقبون بأنها "الأشرس والأقسى" على مدار الصراع.

قنابل نووية !

وألقى الاحتلال خلال عدوانه على القطاع منذ مطلع تموز يوليو الماضي، ما يربو على 20 ألف طن من المتفجرات أي ما يعادل ست "قنابل نووية"، بحسب تصريح صادر عن شرطة هندسة المتفجرات.   

هذه إذا "غيض من فيض" بقايا الحرب كقذائف المدفعية وقنابل الطائرات وصواريخ البوارج الحربية التي تمكن الخبراء من جمعها شُوهدت في فناء مدينة عرفات للشرطة وسط غزة وأحاطتها بشريط أحمر لمنع الدخول إلى المكان والعبث بمحتوياته.

ولتسليط الضوء على عمل خبراء المتفجرات في الكشف عن بقايا الحرب وطرق التعامل معها، أجرى موقع "الداخلية" هذا التحقيق بعد جولة ميدانية بصحبة أحد خبراء شرطة هندسة المتفجرات.

" 70 عنصراً فقط هم مجموع الكوادر البشرية من شرطة المتفجرات في غزة يمتلكون خبرات متفاوتة"، بحسب النقيب أحمد أبو دية الذي أكد أن العبء الملقى على عاتقهم "ثقيل".

وقال الضابط أبو دية إن "هندسة المتفجرات هي الإدارة الأمنية الوحيدة المخولة في جمع بقايا الحرب وإتلافها وتعمل بإمكانيات شبه معدومة ومتهالكة".

وأشار إلى أن التحدي الأكبر بعد انتهاء الحرب يتمثل في انتشار الخبراء للبحث عن المخلفات والقنابل الإسرائيلية التي لم تنفجر "خاصة تلك المدفونة تحت المنازل المدمرة".

ولم يتلقى خبراء المتفجرات أي تدريبات خارج غزة إنما استقوا الخبرة من خلال التجارب العملية في الميدان، كما يؤكد أبو دية لكنه قال "على الرغم من ضعف الإمكانيات وقلة الكادر إلا أن الخبراء عملوا على مدار الساعة طيلة أيام الحرب وبعد انتهاءها لتلبية نداءات المدنيين".

إمكانيات متهالكة

ووصف أبو دية الإمكانيات التي تتوفر لديهم بـ "الضعيفة والمتهالكة"، مستطرداً "لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي وسنعمل بكل ما أوتينا من طاقات وإمكانيات للحفاظ على حياة المدنيين".

وتابع "طواقمنا تعمل بإمكانيات وأدوات بدائية مثل "الزرادية والمفكات البسيطة" لتفكيك صواعق القنابل الإسرائيلية التي تحتوي على مواد حساسة وفتاكة وشديدة الانفجار". واعتبر "الدروع" التي يمتلكها خبراء المتفجرات في غزة "متهالكة"، مبيناً أن عددها بسيط وغير كافي إلى جانب امتلاكهم لعدد محدود من النظارات الواقية "البدائية".

وحول الشعور الذي ينتاب خبير المتفجرات أثناء توجهه لتفكيك القنابل في ظل الإمكانيات المتهالكة، قال أبو دية إن "نسبة قليلة من مادة C4 شديدة الانفجار تُمزق الدرع وقد تودي بحياة مرتديه .. لم تدخل أي معدات لطواقمنا منذ عام 2007 وجميع المتوفرة بسيطة ومتهالكة لا تصلح للعمل فاضطررنا للتعامل مع مخلفات الحرب بأي وسيلة دون توقف".

ومن المناطق التي تعرضت لدمار واسع خلال العدوان، منطقة الزنة وخزاعة شرقي خانيونس جنوب القطاع والشجاعية والزيتون والتفاح شرق غزة وشرق مدينة رفح ومناطق بيت حانون وبيت لاهيا شمال غزة، بحيث وتركز القصف على المناطق الشرقية الحدودية ضمن سياسة "الأرض المحروقة".

العقيد محمد خلف مدير العمليات المركزية بوزارة الداخلية في غزة أكد استنفار مكونات هندسة المتفجرات في الشرطة بمشاركة طواقم الدفاع المدني لإجراء مسح على جميع المناطق التي استهدفها الاحتلال خلال الحرب.

وقال خلف لـ"الداخلية": "استنفرنا طواقم خبراء المتفجرات للبحث عن مخلفات الاحتلال وبقايا الحرب من قذائف وقنابل وصواريخ لم تنفجر حتى تنتهي بالكامل من كافة المناطق".

وأوضح أن عملية البحث عن بقايا الحرب أسفرت عن خسائر في أرواح عدد من أمهر خبراء المتفجرات في غزة مما يُعبر عن صعوبة المهمة، حسب وصفه.

وفيما يتعلق بالدور الملقى على عاتق بعض الإدارات الشرطية عقب انتهاء العدوان وخاصة دور هندسة المتفجرات في إزالة بقايا الحرب من صواريخ وقذائف في ظل إمكانياتها المتهالكة، أوضح العقيد محمد زايد مساعد قائد الشرطة أن شعبنا اعتاد على الإبداع وإيجاد البدائل والحلول".

ولفت العقيد زايد إلى أن الشرطة تواصلت مع الجهات المختصة كوزارة الأشغال وبلديات القطاع للتعاون في فتح الطرق والشوارع وإزالة الركام وآثار العدوان من بقايا الحرب ومخلفات الاحتلال.

أخطر الأسلحة

بينما سرد النقيب أبو دية الأسلحة التي استخدمها الاحتلال ومن أخطرها قنابل MK والقنابل الذكية GPU وهي أمريكية الصنع تطلق من منصات الطائرات الحربية من طراز F15 و F16 ، تنقسم لعدة أنواع منها MK82 تزن 250 "كيلو" وMk83 تزن 500 وMk84 تزن طن من مواد شديدة الانفجار.

وأوضح أن لكل نوع من القنابل السابقة حجم تدميري لكن أشدها فتكاً قنبلة Mk84 وهي صواريخ ذات قدرة تدميرية هائلة ارتكبت إسرائيل عشرات المجازر من خلال إلقائها على مناطق مأهولة بالسكان في مناطق متفرقة من القطاع.

ونوه إلى أن الطائرات الحربية الإسرائيلية ألقت قنابل موجهة مثل GPU التي تزن أكثر من 2000 باوند، وقد ضربت بها الطائرات الحربية المنازل وأسقطتها على رؤوس قاطنيها، مبيناً أن تلك القنابل أحدثت آثاراً تدميريةً هائلةً وهي ذات قدرة على اختراق التدريعات والتحصينات تحت الأرض وتخترق 3 أمتار في الاسمنت المسلح قبل انفجارها.

مواد "مسرطنة" !

كما استخدمت آلة الحرب الإسرائيلية قذائف وقود جوي من نوع "كاربت" تُطلق من منصات خاصة وهي قذائف فراغية حرارية تحتوي على مادة أكسيد الأثلين المسرطنة والتي تحتوي على غازات سامة.

وينتج عن انفجار قذائف "كاربت" ضغط شديد جداً يُحدث درجة حرارة عالية تُقدر بـ 2700 درجة مئوية" وأطلقتها "إسرائيل" لاختراق الحقول وتدمير الالغام قبل توغل آلياتها في الأراضي وهي تُحدث انفجاراً هائلاً في المكان الذي تُلقي فيه.

سلاح آخر يُطلق عليه "أفعى المدرعات" استخدم هو الآخر في الحرب على غزة وهو عبارة عن برميل متفجر يُقذف من منصات خاصة وله فتحات يحتوي على سلسلة مليئة بالمتفجرات ويزن البرميل الواحد 1000 كيلو تحتوي على 700 كيلو من مادة C4 الأشد فتكاً بين أنواع المتفجرات.

والنوع الخامس هو صواريخ الطائرة الحربية بدون طيار "الاستطلاع" ويحتوى على مادة الداين وسرعة شظايا هذا الصاروخ 200 كيلو متر/ث ، وهى اسرائيلية الصنع، وتستخدم للاغتيالات ويصل لهدفه خلال خمسة ثوانى من انطلاقه، ووزنه 2 كيلو و70 جرام ، وطوله 72 سم، وقطره 130 مل ، وتكمن خطورته في الشظايا أيضا المكونة من المعدن الثقيل للداين.

في حين أن النوع السادس من الأسلحة التي استخدمتها آلة الحرب الإسرائيلية بحسب المختص في الشأن العسكري هو صاروخ يسمى "جيدم" وهى صواريخ ذكية استهدفت بعض الابراج السكنية، حيث يصل للهدف بدقة، ويحمل رأس الصاروخ كاميرا موجه بالليزر من بعيد.

بينما أطلقت المدفعية الإسرائيلية التي انتشرت مرابضها على تخوم الحدود الشرقية لغزة قذائف من عيار 155 ملم تُعرف شعبياً باسم "الدانة".

وكشف أبو دية أن دور خبراء المتفجرات الأجانب القادمين لغزة يتمثل فقط في معاينة بقايا الحرب من قنابل وصواريخ دون التعاون في تفكيك وإتلاف تلك القنابل قبل انفجارها، مضيفاً "هم يستفسرون عن احتياجات طواقمنا لكن دون أدنى قدرة على توفيرها أو إدخالها بسبب رفض الاحتلال وعدم سماحه بامتلاكنا لتلك الإمكانيات".

ومن بين المؤسسات الدولية المعنية بإزالة بقايا الحروب مؤسسة "UN MAS " واللجنة الدولية للصليب الأحمر، معتبراً أن التعاون معها يقتصر على "تبادل الخبرات فقط".

وكان رئيس المجلس الاقتصادي للتنمية والاعمار محمد اشتية قد طالب بإرسال فريق خبراء من الأمم المتحدة لمساعدة الفرق الفلسطينية في التخلص من بقايا الحرب.

وفي ذات السياق، دعت مؤسسات حقوقية محلية المجتمع الدولي والمنظمات الدولية للمساهمة في توفير فرق خبراء متفجرات وبأقصى سرعة للتخلص من مخلفات الاحتلال من صواريخ وقذائف في أنحاء مختلفة لم تنفجر، لتجنيب وقوع المزيد من الضحايا في صفوف المدنيين.

وأكد أبو دية ترحيب طواقم خبراء المتفجرات بأي جهة ترغب بزيارة غزة لمساعدتهم على إزالة مكمن الخطر وتفكيك القنابل التي لم تنفجر.

من جانبه، أعرب العقيد زايد عن أمله في مساعدة الجهات الدولية المختصة لطواقم خبراء المتفجرات في إزالة مخلفات الاحتلال من المناطق المستهدفة في غزة، مطالباً الجهات المختصة بأن تأخذ دورها على أكمل وجه في حماية غزة من مخاطر هذه الأجسام المشبوهة.

أماكن آمنة

وعلى الرغم من المخاطر المحدقة بعمل خبراء المتفجرات في غزة ونقص معداتهم فقد تمكنوا من تجميع نحو 80 % من القنابل التي تعمد الاحتلال إلقائها من أجل إلحاق ضرر أكبر بحياة المدنيين، حيث يضعها الخبراء في أماكن آمنة وفارغة من أجل تفكيكها وإتلافها، بيد أن النسبة المتبقية من القنابل التي لم تنفجر ما زالت مدفونة تحت البيوت المدمرة وبعض الحقول الزراعية.

في المحصلة يرى خبراء شرطة هندسة المتفجرات أن إزالة القنابل والصواريخ من بقايا الحرب "غير مقيد" بوقت محدد لعدم تمكنهم من إحصاء كميات القنابل التي لم تنفجر بعد.

وأشار خبير المتفجرات أحمد أبو دية إلى أن طواقمهم أتلفت ما مجموعه 6 أطنان من المتفجرات بعد أسبوع على انتهاء الحرب، مضيفاً "ما نكتشفه من بقايا ومخلفات الاحتلال يتم إتلافه مباشرة للحفاظ على أرواح المواطنين وإزالة مكمن الخطر".

وأوضح أن إزالة ركام المنازل والمنشئات المدمرة يحتاج لفترة طويلة بالتزامن مع إعادة إعمار غزة.

وتبقى مخلفات الاحتلال التي لم تنفجر بمثابة التحدي الأكبر الذي يؤرق شرطة هندسة المتفجرات في ظل المخاطر المحدقة بكوادرها أثناء التعامل مع تلك القنابل.