غزة/الداخلية:
"الإرادة تصنع المستحيل" شعار تمسك به كثير من العلماء والقادة وصانعي التاريخ، وبات عنواناً بقطاع غزة المحاصر ويُضرب به المثل، فعمل أهل القطاع بإدارة جميع شؤون حياتهم يحملون هذا الشعار، وتجسدت هذه الإرادة في أحد نماذج العلم، هو خالد حامد شملخ (37 عاماً) رجل الأمن في جهاز الدفاع المدني.
شاءت الأقدار أن ينقطع شملخ عن دراسته في نهاية المرحلة الابتدائية عام 1990 بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية التي كانت تمر بها عائلته التي اتخذت من الزراعة مصدر رزق لها، إضافة إلى الآثار السلبية للانتفاضة الأولى عام 1987م على الطلبة خاصة والمسيرة التعليمية عامة.
يقول شملخ الشاب الثلاثيني والذي تخرج نهاية شهر يناير الماضي 2015م من جامعة الأزهر – تخصص دراسات إسلامية: "من الأسباب التي جعلتني أنقطع عن الدراسة، الظروف الاقتصادية الصعبة وتبعات الانتفاضة الأولى، حيث كانت في ذلك الوقت الإضرابات والمظاهرات بشكلٍ يومي ولا يوجد اهتمام بالعلم ففضلت اللجوء للعمل مع والدي في الزراعة ".
لم يتمكن شملخ من مواصلة مشواره الدراسي فتوقف عنه "مؤقتاً" عام 1990، بعد ستة أعوام ليسخَّر معظم وقته في مساعدة والده وأسرته، وسط حزن على تركه لمقعده الدراسي الذي طالما أحبه بصحبة زملائه، الذين سيراهم يوماً ما دونه على مقاعد الدراسة في الجامعات.
حلم العودة لمقاعد الدراسة
يقول شملخ : "بعد ست سنوات من انقطاعي عن الدراسة رأيت بعض أصدقائي الذين كنت أدرس معهم في فصلٍ واحد قد أنهوا الثانوية العامة والتحقوا بالجامعات فأدركت أني أخطأت خطأ كبير بتركي الدراسة ".
وأردف : "كم تمنيت أن أعود لاستكمال دراستي كلما رأيت أحد زملائي يحمل حقيبته الدراسية بينما أعمل أنا في زراعة أرضنا، فظروف العمل لم تسمح لي أن أوفق بين العمل والدراسة، إضافة إلى أعباء زواجي عام 2004م وأبنائي الثلاثة ".
ويستدرك " لكن الفكرة بالعودة لم تفارقني يوماً، واشتعلت هذه الفكرة عندما رأيت جاراً لي في المسجد كان منقطعاً عن الدراسة مدة من الزمن ومعه كتاب أكاديمي، ويطلب من شباب المسجد أن يساعدوه فسألت فقال إنه مسجل في امتحان المستوى في التربية والتعليم وفي حال نجح سيلتحق باختبارات الثانوية العامة , فطلبت منه أن يساعدني لأسجل فذهبنا إلى مديرية التربية والتعليم سعيداً لأني سأعود للدراسة وأحقق حلمي ".
وتابع أنه واجه مشكلة عندما توجه للتسجيل لأن التربية والتعليم كانت تشترط فيمن يريد التسجيل أن يلتحق بامتحان المستوى وأن يكون حاصلاً على شهادة الإعدادية، فعاد خائب الآمال، لكنه لم يغلق الباب.
وأضاف : "في عام 2007 التحقت بالقوة التنفيذية آنذاك وبعد نحو عدة شهور سمعت من أحد زملائي أنه يوجد نظام تعليم موازي للذين انقطعوا عن الدراسة ويرغبون بالعودة للتعليم، فذهبت في اليوم التالي لأستعلم عن ذلك فأرشدوني للالتحاق بمدرسة الرمال بجانب موقف الزهراء وسجلت فيها وكان نظام الدراسة من الساعة 12 حتى 2 يومياً بعد يوم على أن يدرس الطالب مدة سنتين ".
يقول شملخ: "كنت أشعر أحياناً بالخجل وأنا أحمل حقيبتي الخاصة بمحو الأمية فكنت أخبئ الدفاتر والكتب لكي لا يسألني أحد أين تدرس ؟! ".
وأضاف: "رغم ذلك كنت أخشى ألا تقبلني وزارة التربية والتعليم وتسمح لي بتقديم امتحان الثانوية العامة فاجتهدت من أول يوم، وجمعت كل ما يتعلق بالمواد الدراسية المقررة وأوراق الامتحانات، وسجلت في مدرسة فلسطين بنظام الدراسات الخاصة" .
الدراسة والعمل والأسرة
وعن الموافقة بين الدراسة والعمل والأسرة، أشار إلى أنه كان يذهب إلى المدرسة من الساعة 12 الى 2 ظهراً ثم يراجع دروسه في البيت حتى أذان المغرب ثم يقضى بعد صلاة العشاء ساعتين بين أسرته ثم يعود لمراجعة وحفظ دروسه، ثم يراجع ما تبقى بعد صلاة الفجر حتى الثامنة صباحاً وبعدها يتوجه إلى عمله في الحراسات بمجمع الجوازات للشرطة الفلسطينية في حينها , وكان أيضا يراجع حفظ دروسه عندما تكون الظروف مهيأة.
وأكمل حديثه: " تقدمت لامتحانات الثانوية العامة كآلاف الطلبة ونجحت في جميع المواد عدا مادة الانجليزي، فلم أيأس حتى استكملتها ونجحت بها وحصلت على معدل 66%، والتحقت بجامعة الأزهر بغزة تخصص الدراسات الإسلامية، وبذلت كل جهدي ووقتي متحدياً كل العقبات حتى منّ الله عليه بالنجاح والتخرج من الجامعة نهاية يناير الماضي 2015م بتقدير جيد ".ق
رسالة طالب
وفي هذا السياق، وجه شملخ رسالته للذين لم يتمكنوا من استكمال دراستهم لأسباب ما، ألا يترددوا في الالتحاق مرةً أخرى، فالعلم نور، وألا ينظروا إلى أعمارهم أو الظروف المحيطة بهم أو طول سنوات الانقطاع.
ومضى يقول: "مهما كانت سنوات الانقطاع عن الدراسة طويلة فإن سنوات الدراسة تنقضي كأنها لحظات، وإن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) ويقول الشاعر: العلم يرفع بيوتا لا عماد لها .. والجهل يهدم بيوت العز والكرم ".