بسبب الإهمال

"شمعة" أذابت حيـاة طفلٍ فوق الأرض وآخرٌ في أحشائها

20 أبريل/نيسان 2015 الساعة . 10:48 ص   بتوقيت القدس

غزة/الداخلية/محمد الميدنة:

نظرت بصعوبة إلى عقارب الساعة التي تحيط بمعصمها، فقالت مخاطبةً طفلها الصغير صاحب العام والنصف، "ما تزال الساعة التاسعة وباقي تقريباً ساعة ونصف حتى تعود الكهرباء"، ورغم تحذيرات زوجها المتكررة بالحذر عند إشعال الشمع في البيت، إلا أن شعورها بالتعب وكثرة التثاؤب كانا أسرع من أن تفكر بتنبيهات الزوج الذي بدأ عمله لليوم الأول حارساً في عمارة سكنية بمنطقة الشيخ عجلين.

 

أشعلت الزوجة شمعتها الوحيدة التي وجدتها في "درج الخزانة" ووضعتها على سطح بلاستيكي على "شماعة طقم النوم الخشبية" وقالت في نفسها وطفلها يغط بالنوم بجوارها "سأبقى مستيقظة أنتظر عودة الكهرباء، ونظرت إلى عقارب ساعتها مرةً أخرى، لكن ما زالت الساعة التاسعة والنصف مساء".

 

لم تتجاوز الساعة العاشرة، حتى تسلل النوم إلى عيني الزوجة المسكينة، فغطت في نومٍ عميق، غير متوقعة العاقبة المفجعة، وتحركت عقارب الساعة بسرعة كبيرة، وأخذت الشمعة طريقها في الذوبان حتى وصلت إلى الحائل البلاستيكي، رافضةً التوقف، وتوغلت النيران إلى سطح "الشماعة الخشبية"، فالتهمتها، وواصلت طريقها إلى أجزاء أخرى من الغرفة، والأم وطفلها ما زالا يغطان في نومٍ عميق.

 

عاد التيار الكهربائي، لكن الأم لم تشعر بذلك، اقتربت الساعة من الحادية عشر، وإذ بطفلها يصدر صوت سعال، كأنه يصدر نداءات استغاثة، ولكثرة صوت الطفل وحركاته غير الطبيعية، فتحت الأم المرهقة إحدى عينيها الثقيلتين مغمضةً الأخرى، لتفاجأ بألسنة النيران ودخان أسود كثيف داخل غرفتهم، فقالت وهي بغير وعيها " لعلي أحلم " ، لكنها الحقيقة، حقيقة الإهمال.

 

صرخت الأم صرخاتٍ مدوية، لكنها لن تعيد الحياة لطفلها الرضيع، ليصلَ إلى المستشفى جثةً هامدة , ولم تتوقف المصيبة هنا، لأن الأم كانت تحمل في أحشائها طفلاً في الشهر الثاني، ولولا لطف الله لفارقت الحياة هي أيضاً، لكنَّ الأطباء تمكنوا _ بعد جهد _ من إنقاذ حياتها إلا أنهم لم يستطيعوا إنقاذ حياة جنينها.

 

هذه صورة من صور الإهمال حدثت مع أسرة في حي الزيتون، وما نزال نعاني كثيراً من مثل هذه النماذج، مع إدراكنا بأن الحصار المطبق علينا هو الأساس، لكن نؤكد أيضاً أن بمقدورنا أن نتجنب كثيراً من مخاطر هذا الحصار الظالم وآثاره السيئة.

 

الدفاع المدني في قطاع غزة كان له كلمته، وحذر مراراً وتكراراً من مخاطر استخدام الوسائل البديلة للإنارة ، ونشر إرشاداته عبر الوسائل الإعلامية المختلفة , وناشد المواطنين بوجوب إتباع تلك الإرشادات والتعليمات حفظاً لأرواحهم ومقدراتهم , لكن للأسف ما زلنا نعاني من هذا الإهمال.

 

والسؤال هنا، هل ستبقى أرواح أبنائنا وسلامة مقدراتنا يهددها هذا الإهمال، وعدم المبالاة ؟!